تقارير وتحقيقات

خطاب العيد الذي هزّ معادلات السودان: دقلو يعلن نهاية دولة الهيمنة ويفتح معركة السودان الجديد

التنوير تقرير القسم السياسي 

 

التنوير تقرير القسم السياسي 

 

من تحت ركام الحرب.. خطاب يتجاوز التهنئة ويؤسس لمرحلة جديدة

 في لحظة سودانية مثقلة بالدخان والدموع والنزوح والانهيارات الكبرى، خرج الفريق أول محمد حمدان دقلو “حميدتي” بخطاب عيد الأضحى، لا بوصفه رسالة احتفالية عابرة، بل باعتباره إعلاناً سياسياً وإنسانياً واسع النطاق، حمل ملامح مشروع كامل لإعادة تعريف السودان، وإعادة صياغة معنى الحرب والسلام والدولة والهوية الوطنية.

فالخطاب، في مضمونه العميق، لم يكن مجرد حديث عن مناسبة دينية، بل بدا أقرب إلى “مانيفستو تأسيسي” يضع البلاد أمام مفترق طرق تاريخي: إما استمرار السودان القديم بكل ما يحمله من استبداد وهيمنة وتمييز، أو الانتقال إلى مشروع جديد يقوم على المواطنة المتساوية والعدالة والشراكة الوطنية الشاملة.

لقد تحدث دقلو بلغة تتجاوز التعبئة العسكرية التقليدية، متكئاً على خطاب سياسي كثيف حاول من خلاله تقديم الحرب الحالية باعتبارها ليست صراعاً على السلطة أو النفوذ، بل معركة فاصلة بين مشروعين متناقضين؛ مشروع الحركة الإسلامية الذي حكم السودان لعقود عبر القمع والإقصاء، ومشروع السودان الجديد الذي يرفع شعار الحرية والسلام والعدالة.

الحرب التي كسرت القناع عن الدولة القديمة

منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، ظل السؤال مطروحاً حول طبيعة الصراع الحقيقي في السودان: هل هو مجرد نزاع بين جنرالين على السلطة؟ أم أنه انفجار تاريخي لأزمة دولة ظلت عاجزة عن بناء عقد وطني عادل؟

خطاب دقلو حاول الإجابة بوضوح وحسم. فالرجل لم يتحدث عن معركة عسكرية محدودة، بل عن صدام تاريخي مع ما وصفه بإرث “دولة الهيمنة”، الدولة التي قامت ـ وفق رؤيته ـ على احتكار السلطة والثروة ومؤسسات العنف لصالح نخبة ضيقة، بينما تُركت غالبية الأقاليم السودانية رهينة للحروب والتهميش والفقر والإقصاء.

ولهذا السبب، بدا الخطاب كأنه محاولة لإعادة تعريف طبيعة الحرب أمام الداخل والخارج؛ فالمعركة، بحسب الرسالة السياسية التي حملها، ليست معركة كراسي، بل معركة تفكيك بنية تاريخية حكمت السودان منذ الاستقلال، وأعادت إنتاج الأزمات جيلاً بعد جيل.

من خطاب القوة إلى خطاب الدولة

واحدة من أكثر النقاط اللافتة في الخطاب كانت التحول الواضح من لغة “القائد العسكري” إلى لغة “رجل الدولة”. فقد تعمد دقلو مخاطبة السودانيين باعتبارهم “شعوباً” متعددة ومتنوعة، في إشارة سياسية تعكس اعترافاً واضحاً بالتنوع السوداني الذي ظلت الدولة المركزية تتعامل معه بوصفه أزمة بدلاً من اعتباره مصدر قوة.

كما ركّز الخطاب بصورة واضحة على مفاهيم الدولة المدنية، والعدالة، والمواطنة المتساوية، وإعادة بناء المؤسسات، وهي مفردات حاول من خلالها تقديم مشروع “تأسيس” باعتباره مشروعاً لإعادة هندسة الدولة السودانية، لا مجرد تحالف عسكري أو سياسي عابر

وهنا تحديداً تكمن أهمية الخطاب؛ إذ إنه لم يكتفِ بتشخيص الأزمة، بل حاول طرح بديل سياسي وفكري كامل، يقوم على تفكيك بنية التمكين القديمة، وإعادة بناء الدولة على أسس قومية جديدة.

الجيش الجديد.. نهاية احتكار البندقية

الفقرة الأكثر حساسية وقوة في الخطاب كانت تلك المتعلقة بالمؤسسة العسكرية. فقد وضع دقلو إصبعه مباشرة على واحدة من أعقد أزمات السودان التاريخية، حين أكد أن الجيش السوداني ظل لعقود خاضعاً لهيمنة أيديولوجية وسياسية، الأمر الذي قاد إلى تسييس المؤسسة العسكرية وتحويلها إلى أداة للإقصاء والقهر.

ومن هنا جاءت دعوته إلى تأسيس جيش وطني جديد، مهني وقومي، بعقيدة مختلفة، لا يُبنى على الانتماءات الجهوية أو الحزبية أو الإثنية، وإنما على أساس الكفاءة والانتماء الوطني وحده.

هذه الدعوة لا تعني مجرد إصلاح تقني للمؤسسة العسكرية، بل تمثل ـ في جوهرها ـ مشروعاً لإعادة تعريف علاقة الجيش بالدولة والمجتمع. فالجيش الذي يتحدث عنه الخطاب ليس جيش نخبة أو مركز أو أيديولوجيا، بل مؤسسة قومية جامعة، تتساوى فيها فرص السودانيين دون تمييز.

وقد حمل هذا الطرح رسالة سياسية بالغة القوة، مفادها أن السودان الجديد لا يمكن أن يولد من رحم المؤسسات القديمة ذاتها، ما لم تُعاد صياغتها بالكامل.

الهامش يدخل قلب التاريخ

استحضر الخطاب أسماء ورموزاً تاريخية ارتبطت بمشروعات المقاومة والهامش السوداني، في محاولة لربط اللحظة الراهنة بمسار طويل من النضال ضد التهميش والاستعلاء السياسي والثقافي.

لكن اللافت أن الخطاب لم يقدم الهامش بوصفه ضحية فقط، بل باعتباره حاملاً لمشروع وطني جديد. وهذه نقطة فارقة في المعادلة السودانية؛ إذ إن الهامش الذي ظل لعقود موضوعاً للشفقة أو الإقصاء، يتحول اليوم ـ وفق هذا الطرح ـ إلى مركز لإنتاج الفكرة السياسية الجديدة.

إنها محاولة لإعادة كتابة العلاقة بين المركز والأطراف، ليس عبر التسويات التقليدية أو المحاصصات المؤقتة، بل عبر إعادة تأسيس الدولة نفسها على قاعدة العدالة التاريخية وتقاسم السلطة والثروة والاعتراف الكامل بالتنوع.

خطاب مغموس بوجع النازحين ورائحة المخيمات

ورغم الطابع السياسي والفكري الكثيف للخطاب، إلا أن بعده الإنساني كان حاضراً بقوة. فقد بدا واضحاً أن دقلو أراد مخاطبة السودانيين من داخل جراحهم اليومية؛ من داخل المخيمات، وصفوف النزوح، وخراب المدن، وفقدان البيوت والأحبة.

ولذلك جاءت إشاراته المتكررة إلى الشهداء والجرحى والمفقودين والنازحين واللاجئين، بوصفها جزءاً من محاولة لبناء رابطة وجدانية بين المشروع السياسي ومعاناة الناس الحقيقية.

كما تعهد بمواصلة العمل لتوفير الغذاء والدواء والخدمات الأساسية، في رسالة تهدف إلى تقديم مشروع “السودان الجديد” باعتباره مشروعاً لإنقاذ الإنسان السوداني قبل أي شيء آخر.

فالسياسة، وفق هذا الخطاب، لا تُقاس بالشعارات وحدها، بل بقدرتها على حماية كرامة المواطن وإعادة بناء حياته.

رسائل إلى الإقليم والعالم: السودان ليس جزيرة معزولة

لم يكن الخطاب موجهاً إلى الداخل السوداني فقط، بل حمل رسائل دقيقة إلى دول الجوار والمجتمع الدولي. فقد دعا دقلو إلى دعم ما وصفه بالمشروع الوطني الجديد، مؤكداً أن استقرار السودان مرتبط بإنهاء بنية التطرف والحروب التي غذّت الفوضى في المنطقة بأسرها.

كما شكر الدول التي استقبلت اللاجئين السودانيين، والمنظمات الإنسانية التي وقفت إلى جانب المدنيين خلال الحرب، في محاولة لإظهار انفتاح المشروع السياسي الذي يطرحه على الشراكات الإقليمية والدولية.

ويكشف هذا البعد عن إدراك واضح بأن الأزمة السودانية لم تعد شأناً داخلياً معزولاً، بل أصبحت أزمة ذات تأثيرات مباشرة على الأمن الإقليمي والهجرة والاستقرار الإنساني والسياسي في المنطقة.

لا سلام بلا عدالة.. ولا وطن بلا مواطنة

ربما كانت الرسالة الأكثر وضوحاً في الخطاب هي أن السودان، في نظر دقلو، وصل إلى مرحلة لم يعد ممكناً فيها ترميم الدولة القديمة أو إعادة إنتاجها بصيغ جديدة.

فالسلام الحقيقي، وفق الرؤية التي طرحها، لا يتحقق عبر وقف إطلاق النار فقط، بل عبر تفكيك جذور الأزمة التاريخية: التمييز، التهميش، احتكار السلطة، تسييس الجيش، وإقصاء الأقاليم.

ولهذا السبب، بدا الخطاب وكأنه يضع السودانيين أمام سؤال وجودي كبير: هل يستمر السودان أسيراً لدولة الامتيازات القديمة؟ أم يذهب نحو تأسيس وطن جديد يتساوى فيه الجميع بلا مركز متغول أو هامش مسحوق؟

وفي هذا السياق جاءت عباراته المتعلقة برفض العنصرية والقبلية والانتقام الجماعي، باعتبارها جزءاً من محاولة تأسيس خطاب سياسي جديد يقوم على القانون والمحاسبة الفردية، لا على الثأر الجماعي أو الفرز الأهلي.

مانيفستو السودان الجديد

في المحصلة النهائية، لا يمكن قراءة خطاب عيد الأضحى باعتباره مجرد خطاب سياسي تقليدي، بل باعتباره وثيقة تحاول رسم الملامح الفكرية والسياسية لما يُعرف بـ”مشروع السودان الجديد”.

إنه خطاب يحاول نقل الصراع من معركة عسكرية إلى معركة معنى وهوية ومستقبل. خطاب يربط بين دماء الشهداء، وحقوق النازحين، وإعادة بناء الجيش، وتفكيك دولة التمكين، وإقامة دولة المواطنة.

ولذلك فإن القيمة الحقيقية لهذا الخطاب لا تكمن فقط في توقيته أو لغته، بل في كونه يعيد طرح السؤال السوداني القديم بصورة أكثر حدة ووضوحاً: كيف يمكن بناء وطن يتسع للجميع بعد عقود من الحروب والهيمنة والانقسام؟

الإجابة التي اكدها  الخطاب جاءت حاسمة: لا عودة إلى السودان القديم، ولا مكان بعد اليوم لدولة الامتيازات المغلقة، وأن المستقبل ـ مهما كانت كلفة الطريق ـ سيكون لمعركة الحرية والعدالة والسلام والمواطنة المتساوية.

إنه خطاب أراد أن يقول إن السودان يقف اليوم على حافة ولادة جديدة؛ ولادة دولة لا يُسأل فيها المواطن من أين جاء، بل ماذا يستطيع أن يقدم لوطن يتسع للجميع.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!