الأبيض في قلب المعركة الدبلوماسية.. التعايشي يتهم المجتمع الدولي بازدواجية المعايير وتجاهل الكارثة الإنسانية
التنوير تقرير القسم السياسي

التنوير تقرير القسم السياسي
رسالة نارية من حكومة السلام تكشف الوجه الآخر لأزمة الأبيض
لم يكن خطاب رئيس الوزراء محمد حسن التعايشي إلى تحالف منع الفظائع والعدالة من أجل السودان مجرد رد دبلوماسي على بيان دولي، بل جاء في صورة لائحة اتهام سياسية وأخلاقية كاملة ضد ما اعتبرته حكومة السلام مقاربة دولية انتقائية تتعامل مع الحرب السودانية بمعايير مزدوجة، وتتجاهل حقائق ميدانية وإنسانية موثقة لصالح سردية أحادية تختزل الأزمة في مخاوف مستقبلية وتتغافل عن مآسٍ وقعت بالفعل على الأرض.
الأبيض ليست نقطة اشتباك بل عنوان لمأساة ممتدة
أكد الخطاب أن مدينة الأبيض لا يمكن النظر إليها باعتبارها ساحة مواجهة محتملة فحسب، بل باعتبارها مركزاً لأزمة إنسانية متراكمة امتدت لأشهر طويلة. وأشار إلى أن المناطق المحيطة بالمدينة تعرضت لسلسلة عمليات عسكرية واسعة النطاق أسفرت عن موجات نزوح ضخمة وتدمير مجتمعات بأكملها.
وبحسب ما ورد في الرسالة، فإن ثماني عشرة عملية عسكرية انطلقت من الأبيض خلال الأشهر السبعة الماضية، مخلفة أوضاعاً إنسانية وصفت بأنها من بين الأسوأ منذ اندلاع الحرب، حيث نزحت مئات الآلاف من الأسر، وأفرغت عشرات القرى من سكانها، وسقط عدد كبير من الضحايا المدنيين.
اتهام مباشر بازدواجية المعايير الدولية
أخطر ما حمله الخطاب تمثل في اتهامه الصريح للبيان الدولي بتبني رؤية انتقائية للواقع السوداني. فبينما ركز البيان على احتمالات وقوع انتهاكات مستقبلاً، تجاهل – بحسب الرسالة – الانتهاكات التي حدثت بالفعل وأثرت بصورة مباشرة على حياة المدنيين.
وترى حكومة السلام أن حماية المدنيين لا يمكن أن تتحول إلى موقف سياسي انتقائي يخضع لحسابات الأطراف، بل يجب أن تكون مبدأً ثابتاً لا يميز بين ضحية وأخرى ولا بين جهة منتهكة وأخرى.
أين اختفت مسؤولية الطرف الآخر؟
ووجه الخطاب انتقاداً حاداً لما اعتبره تجاهلاً للتحركات العسكرية والاستعدادات القتالية التي قامت بها القوات المتمركزة داخل الأبيض ومحيطها.
وأكد أن أي تقييم نزيه للتصعيد العسكري ينبغي أن يتناول أفعال جميع الأطراف بصورة متساوية، لأن تحميل المسؤولية لطرف واحد فقط يضعف مصداقية أي جهد دولي ويجعل من الصعب الوصول إلى قراءة واقعية للأحداث.
الهدنة الإنسانية الغائبة عن البيان
ومن أكثر النقاط إثارة في الرسالة التساؤل حول غياب أي دعوة واضحة إلى هدنة إنسانية مؤقتة، رغم أن المدنيين هم المتضرر الأكبر من استمرار العمليات العسكرية.
ورأت الحكومة أن الدعوة إلى وقف مؤقت لإطلاق النار وفتح الممرات الإنسانية تمثل الإجراء الأكثر فاعلية لحماية السكان، بينما يظل الاكتفاء بالتحذيرات السياسية موقفاً محدود الأثر أمام حجم المأساة الإنسانية المتفاقمة.
حكومة السلام تعلن استعدادها دون شروط مسبقة
وجدد التعايشي في خطابه استعداد حكومة السلام لدعم أي مبادرة جادة تستهدف وقف المعاناة الإنسانية، مؤكداً أن الحكومة لا تزال منفتحة على كل المقترحات المتعلقة بالهدن الإنسانية والتدابير العاجلة لحماية المدنيين.
ويحمل هذا الموقف رسالة واضحة إلى المجتمع الدولي مفادها أن الطريق إلى حماية المدنيين لا يمر عبر البيانات وحدها، وإنما عبر خطوات عملية تفرض التزامات متوازنة على جميع الأطراف.
الحرب السودانية.. أزمة سياسية تتجاوز ساحات القتال
ولم يكتف الخطاب بمناقشة الوضع العسكري حول الأبيض، بل أعاد الأزمة إلى جذورها السياسية، مؤكداً أن الحرب الحالية هي نتيجة مباشرة لفشل معالجة الأسئلة الكبرى المتعلقة بمستقبل الدولة السودانية بعد التحولات التي أحدثتها الثورة.
وأشار إلى أن استمرار الحرب يعكس عمق الانقسام حول شكل السلطة وطبيعة الدولة وترتيبات الانتقال السياسي، وأن أي مقاربة تتجاهل هذه الجذور لن تنجح في إنتاج سلام دائم.
رسالة تتجاوز الأبيض إلى المجتمع الدولي بأسره
في خاتمة رسالته، وضع رئيس الوزراء المجتمع الدولي أمام سؤال جوهري: هل يمكن بناء سلام مستدام عبر مقاربات انتقائية تتجاهل بعض الضحايا وتسلط الضوء على آخرين؟
ويبدو أن خطاب التعايشي أراد أن يبعث برسالة تتجاوز حدود الأبيض نفسها، مفادها أن العدالة لا تتجزأ، وأن حماية المدنيين تفقد معناها عندما تصبح رهينة الحسابات السياسية. وبينما تتجه الأنظار إلى التطورات الميدانية المقبلة، فإن الرسالة فتحت في الوقت ذاته معركة جديدة لا تدور حول خطوط النار فحسب، بل حول الرواية السياسية والأخلاقية للحرب السودانية بأكملها.




