رأي

إضاءات قانونية (2) حول اختلال توزيع الاختصاصات داخل الهيئة التشريعية التأسيسية في الدستور الانتقالي لسنة 2025م

يعقوب التجاني إبراهيم المحامى والمستشار القانوني

 

يعقوب التجاني إبراهيم المحامى والمستشار القانوني

يثير تنظيم السلطة التشريعية في الدستور الانتقالي لسنة 2025، لا سيما في المواد (56 ـ 59 ـ 60 ـ 61)، إشكالاً دستورياً عميقاً يتجاوز مجرد توزيع الاختصاصات بين مجلس النواب ومجلس الأقاليم، ليطال طبيعة النظام الدستوري نفسه ومدى اتساقه الداخلي.

فعلى الرغم من أن الدستور تبنى شكلياً نظام الثنائية البرلمانية، القائم على وجود مجلسين تشريعيين، إلا أنه أخفق في رسم حدود فاصلة وواضحة بين صلاحيات كل مجلس، الأمر الذي أفضى إلى تداخل واسع في الاختصاصات يصل أحياناً إلى حد التعارض والتنازع المؤسسي.

أولاً: الاختصاص العام للهيئة التشريعية التأسيسية

منحت المادة (59) الهيئة التشريعية التأسيسية، باعتبارها كياناً موحداً يضم المجلسين، صلاحيات واسعة تشمل التشريع، والرقابة على السلطة التنفيذية الاتحادية، وتعديل الدستور، ومناقشة خطاب رئيس المجلس الرئاسي، وإعادة النظر في القوانين المرفوضة من المجلس الرئاسي.

ويؤسس هذا النص لاختصاص أصيل ومركزي للهيئة التشريعية بوصفها صاحبة السلطة التشريعية العليا، بما يوحي بأن الوظائف التشريعية والرقابية تُمارس بصورة جماعية ومتكاملة بين المجلسين.

ثانياً: اختصاصات مجلس النواب

جاءت المادة (59/2) لتمنح مجلس النواب اختصاصات تفصيلية وواسعة، شملت التشريع في كافة الاختصاصات القومية، واعتماد الخطط والسياسات العامة، والمصادقة على المعاهدات الدولية، وممارسة الرقابة على الجهاز التنفيذي عبر الاستدعاء والاستجواب والتوصية بالعزل.

ومن خلال هذه الصلاحيات، يبدو أن مجلس النواب قد استأثر عملياً بجوهر الوظيفة التشريعية والرقابية، بما يجعله الفاعل الرئيسي داخل البنية التشريعية للدولة.

ثالثاً: اختصاصات مجلس الأقاليم

أما المادة (60)، فقد منحت مجلس الأقاليم اختصاصات متعددة ومتشعبة يمكن تصنيفها إلى ثلاثة مستويات:

1/ اختصاصات تشريعية

وتشمل ابتدار التشريعات المتعلقة بالحكم اللامركزي وإجازتها بأغلبية الثلثين.

2/ اختصاصات رقابية وسياسية

وتشمل مراجعة قرارات المجلس الرئاسي إذا مست مصالح الأقاليم، ومراقبة الالتزام بالمبادئ فوق الدستورية، بما فيها العلمانية، وطلب التقارير من الحكام والوزراء، وسحب الثقة من بعض المسؤولين.

3/ اختصاصات سيادية

وتشمل الموافقة على التعيينات العليا، مثل القضاة والوزراء والسفراء، إضافة إلى الموافقة على المعاهدات والاتفاقيات الدولية، وإقرار القوانين المالية.

رابعاً: أوجه التعارض والاختلال

1/ ازدواجية الاختصاص التشريعي

يتضح التناقض في أن المادة (59) تمنح الهيئة التشريعية مجتمعة سلطة التشريع، بينما تمنح المادة (59/2) مجلس النواب سلطة التشريع منفرداً، في حين تمنح المادة (60) مجلس الأقاليم حق ابتدار تشريعات محددة وإجازتها بأغلبية خاصة.

ويثير ذلك تساؤلات جوهرية حول الجهة صاحبة القول الفصل في العملية التشريعية، وما إذا كان مجلس الأقاليم شريكاً أصيلاً أم مجرد جهة استثنائية محدودة الدور.

2/ التداخل في الرقابة على السلطة التنفيذية

تمارس الهيئة التشريعية الرقابة بصورة عامة، بينما يباشر مجلس النواب رقابة تفصيلية تشمل الاستجواب والتوصية بالعزل، في الوقت الذي يمارس فيه مجلس الأقاليم سلطات رقابية موازية، مثل طلب التقارير وسحب الثقة.

وهذا التداخل قد يؤدي إلى ازدواجية رقابية وصراعات سياسية بين المجلسين بشأن المسؤول التنفيذي ذاته، بما يهدد استقرار الأداء المؤسسي.

3/ التعارض في الاختصاصات السيادية

منح الدستور مجلس النواب سلطة المصادقة على المعاهدات الدولية، بينما منح مجلس الأقاليم سلطة الموافقة على المعاهدات ذاتها بالقوة القانونية نفسها.

ويثير ذلك غموضاً دستورياً حول ما إذا كانت المعاهدة تصبح نافذة بموافقة أحد المجلسين أم كليهما، وهو الغموض ذاته الذي ينسحب على التعيينات العليا.

4/ اختلال التوازن بين المجلسين

رغم أن مجلس النواب يمثل الغرفة الأكبر عدداً، إذ يضم (177) عضواً، مقابل (24) عضواً فقط في مجلس الأقاليم، فإن الأخير مُنح صلاحيات سيادية بالغة التأثير، تشمل التعيينات العليا والمعاهدات وسحب الثقة.

ويخلق ذلك مفارقة دستورية تتمثل في منح مجلس أصغر حجماً نفوذاً سيادياً قد يفوق المجلس الأكبر.

5/ إشكالية اللجنة المشتركة

اشترطت المادة (61) إحالة مشاريع القوانين إلى لجنة مشتركة لتحديد ما إذا كانت تمس مصالح الأقاليم، وهو ما يفتح الباب أمام تقديرات سياسية غير منضبطة، ويجعل العملية التشريعية رهينة لإجراءات قد تُستخدم لتعطيل القوانين.

6/ غياب مفهوم “الغرفة الثانية للمراجعة”

في النظم البرلمانية الثنائية المستقرة، تكون الغرفة الثانية جهة مراجعة وتدقيق، لا سلطة موازية تنازع الغرفة الأولى اختصاصاتها.

أما في هذا الدستور، فإن مجلس الأقاليم لا يقوم بدور المراجعة فحسب، بل يمارس سلطات تشريعية وسيادية ورقابية متداخلة، دون وجود آلية واضحة لحسم النزاع بين المجلسين.

خامساً: الخلاصة القانونية

تكشف النصوص محل التحليل عن خلل بنيوي يتمثل في:

1. غياب التحديد الدقيق للاختصاصات.

2. ازدواجية السلطات التشريعية والرقابية

3. تضارب الصلاحيات السيادية.

4. اختلال التوازن المؤسسي بين المجلسين.

وعليه، فإن البناء الحالي لا يؤسس لنظام برلماني مستقر، ولا لنظام ثنائي الغرف واضح المعالم، بل ينتج بنية هجينة مرشحة للصراع المؤسسي والتعطيل التشريعي.

سادساً: توصية دستورية

يقتضي الإصلاح الدستوري أحد خيارين:

1. تكريس تفوق مجلس النواب، مع حصر دور مجلس الأقاليم في المراجعة والاعتراض المقيد.

أو:

2. تبني نموذج ثنائي متوازن، يقوم على تحديد دقيق للاختصاصات، ووضع آلية واضحة لحسم النزاعات بين المجلسين، مثل التصويت المشترك أو الوساطة التشريعية.

أما الإبقاء على هذا التداخل القائم، فإنه يفتح الباب أمام أزمة دستورية مستدامة تتنازع فيها المؤسسات الاختصاصات بدلاً من أن تتكامل في أداء وظائفها الدستورية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!