السودان الجديد: دارفور بين الهيمنة واستعادة الدولة (١-٢) من السيادة إلى التفكيك 1916م
مصطفى أحمد صالح الشفيع

مصطفى أحمد صالح الشفيع
قبل نشوء الدولة الحديثة، لم تكن دارفور وكردفان والنيل الأزرق مجرد أطراف جغرافية هامشية، بل كانت فضاءات ذات سيادة مكتملة، تمتلك نظام حكم، أرضاً، حدوداً عرفية، شرعية اجتماعية متجذرة، علاقات خارجية، ضرائب، قوى عسكرية، عواصم سياسية.
يمكن إسقاط مفهوم الدولة ماقبل الحديثة وذات سيادة على سلطنة دارفور التي كانت تُمارس إدارة مواردها وتتحكم في طرق التجارة وتنظم السياسة من عاصمتها الفاشر، شبكة علاقات إقليمية وهو مايعكس مستوى متقدمًا من التنظيم السياسي والسيادي وهو الأمر الذي يجعل من الصعب تفسير موقعها اللاحق ضمن ( الهامش ) باعتباره امتدادًا ً طبيعي لماضيها.
دارفور لم تكن إستثناءٍ بل جزء نمط أوسع فنجد أيضاً كردفان الكبرى التي كانت مسرحاً لتعدد الممالك منها مملكة تقلي وممالك جبال النوبة ،مملكة المسبعات ، مملكة الداجو إلى جانب كيانات ذات طابع عسكري وسياسي مثل المسيرية والحَمَر والبديرية والكبابيش والمجانين، لقد كانت كردفان أقل مركزية من دارفور وقد تميز هذا الفضاء التعددي بأنظمة حكم محلية ( المك،الناظر،الشرتاي ) حواكير مرتبطة تاريخيًا بالأرض وجغرافيا دفاعية وأنظمة اقتصادية وتجارية. وعليه فإن كردفان الكبرى لم تكن بلا دولة، بل نموذجاً لتعدد أشكال السيادة تتراوح بين المركزية واللامركزية ضمن توازن اجتماعي وسياسي مرن.
في النيل الأزرق تشكلت أنماط حكم ذات طابع لامركزي، امتزجت العناصر العربية والافريقية والإسلامية وارتبطت بفضاء يتميز بعلاقات وحكم سلطاني وأنظمة سيادية واقتصادية وتحالفات قبلية قائمة على التكيف.
إن كل هذه التجارب تشترك في حقيقة أساسية وهي إنها كانت مرتبطة بالأرض وتمارس أشكالاً مختلفة من السيادة، ولم تَعِش حالة فراغ سياسي قبل نشوء الدولة الحديثة.
وعليه، فإن السردية التي تُصوّر كل هذه الأقاليم كمناطق متخلفة أو عاجزة عن إنتاج الدولة، تتجاهل واقعاً تاريخيًا موثقاً لا لبس فيه، وتستبدله بتفسير لاحق نشأ داخل بُنية الدولة المركزية. فالمجتمع الذي ينتج نظام حكم، ويدير موارد، ويحافظ على تماسكه عبر الزمن، لايمكن إختزال تراجعه في عوامل ذاتية، بل يجب فهمه في سياق التحولات التي أعادت تشكيل موقعه داخل منظومة أوسع.
لم يكن انتقال دارفور إلى وضعها الحالي نتيجة تطور داخلي، بل نتيجة صدمة خارجية وهي الاستعمار أدت إلى تفكيك المجال الأمني والاجتماعي والاقتصادي والثقافي والسياسي بالقوة.
وقد بدأت بالتحول حينما فرض المستعمر نموذجًا جديدًا قائماً عل المركزية والسيطرة العسكرية وخزاناً للموارد.
هذا التغيير لم يكن فقط في السلطة بل تفكيك للبنية السياسية وإعادة تعريف للأرض والمجتمع وبذلك، تحوّلت دارفور من فاعل سياسي ذا سيادة إلى هامش مُدار. كأثر مباشر لتلك الصدمة التي فككت وأزالت البُنى التي كانت تُمكن هذه المجتمعات من الفعل السياسي والاقتصادي.
بعد الاستقلال، لن تَسعَ الدولة الحديثة إلى بناء عقد اجتماعي يعترف بالسيادات التاريخية، بل ورثت البنية الاستعمارية وأعادت إنتاج الفعل السياسي والأمني والاقتصادي والثقافي والتعليم من مركزية خارج تلك السيادات التاريخية التي تم تعريفها كمصدر للجنود والموارد ومجال أمني مُدار دون تمكينها من المشاركة الفعلية في القرار.
فى الختام، إذا كانت هذه السيادات فُككت تاريخيًا، فكيف أعادت الدولة إنتاج هذا الإقصاء عبر مؤسساتها، وهل يمكن كسر هذه البنية واستعادة الفعل السيادي من جديد ؟
نكمل فى السودان الجديد: دارفور بين الهيمنة واستعادة الدولة ( 2-2 )
“الدائرة المغلقة وإمكانية الاستعادة”




