رأي

من رماد الحرب… كيف تعيد “تأسيس” صناعة الأمل في دارفور؟

د.إيلاف وداعة

 

 د. إيلاف وداعة

في الأزمنة التي تتكاثر فيها الخيبات، وتعلو فيها أصوات البنادق فوق همس الحياة، يصبح الأمل فعلاً من أفعال المقاومة، لا مجرد شعور عابر أو رغبة مؤقتة في النجاة. وفي دارفور، لم يعد الأمل ترفاً عاطفياً أو خطاباً للاستهلاك السياسي، بل ضرورة وجودية تحفظ ما تبقى من روح هذا الإقليم الذي أنهكته الحروب والتهميش والانكسارات المتراكمة.

لقد عاشت دارفور سنوات طويلة تحت وطأة أزمة معقدة لم تكن في حقيقتها مجرد نزاع مسلح، بل تعبيراً عميقاً عن اختلال بنية الدولة السودانية نفسها؛ دولة احتكرت السلطة والثروة، وأدارت التنوع بعقلية الإقصاء، حتى تراكمت المظالم وتحولت إلى جراح مفتوحة في وجدان الناس. ولهذا لم تكن الحلول الجزئية أو الاتفاقات المؤقتة قادرة على إنهاء الأزمة، لأنها كثيراً ما تعاملت مع النتائج وتركت الجذور كما هي.

وفي قلب هذا المشهد القاسي، يبرز مشروع تحالف السودان التأسيسي بوصفه محاولة جادة لإعادة فتح باب الأمل من جديد في ربوع دارفور والسودان عموماً؛ ليس باعتباره شعاراً سياسياً عابراً، بل مشروعاً يسعى إلى إعادة تعريف الدولة على أسس مختلفة، تجعل الإنسان محور العملية السياسية، وتجعل العدالة والمواطنة المتساوية قاعدة لبناء الوطن.

إن أهمية هذا المشروع لا تكمن فقط في طرحه السياسي، بل في قدرته على قراءة جذور الأزمة قراءة عميقة تتجاوز المسكنات التقليدية. فدارفور لا تحتاج إلى هدنة مؤقتة بقدر ما تحتاج إلى إعادة بناء العلاقة بين الدولة والمواطن، وإلى تأسيس عقد اجتماعي جديد لا يقوم على الامتيازات التاريخية أو الهيمنة الجهوية أو الاحتكار الأيديولوجي، وإنما على الشراكة الوطنية الكاملة.

ومن هنا جاءت الرؤية التي يقودها محمد حمدان دقلو باعتبار أن السلام الحقيقي لا يتحقق بمجرد إسكات البنادق، وإنما عبر معالجة الأسباب التي صنعت الحرب منذ البداية؛ التهميش، وغياب العدالة، واحتكار القرار الوطني، وحرمان قطاعات واسعة من السودانيين من حقهم في المشاركة وصناعة المستقبل.

إن ما يمنح هذا الطرح زخمه هو أنه لا يكتفي بوصف المأساة، بل يسعى إلى تفكيك بنيتها وإنتاج بديل عملي لها. فمشروع “تأسيس” يحاول أن ينقل السودان من دولة الامتيازات المغلقة إلى دولة المواطنة، ومن منطق السيطرة إلى منطق الشراكة، ومن عقلية المركز المحتكر إلى وطن يتسع للجميع دون تمييز عرقي أو جهوي أو سياسي.

وفي صميم هذه الرؤية يبرز الحوار السوداني – السوداني بوصفه حجر الأساس لأي تحول حقيقي. فالحوار هنا ليس إجراءً بروتوكولياً أو مناورة سياسية، بل ضرورة استراتيجية لإنقاذ البلاد من دوامة الانقسام والانهيار. لأن الحروب مهما طالت لا تنتج أوطاناً مستقرة، بينما الحوار وحده قادر على إعادة بناء الثقة وفتح الطريق نحو سلام دائم وعادل.

لقد أثبتت التجارب أن القوة وحدها لا تكفي لصناعة الاستقرار، وأن أي مشروع لا يستند إلى قبول اجتماعي واسع وإرادة جماعية سرعان ما يتحول إلى عبء جديد على البلاد. ولهذا فإن الرهان الحقيقي اليوم ليس على السلاح، وإنما على الوعي الجمعي القادر على إدراك أن مستقبل دارفور والسودان لا يمكن أن يُبنى بالعزل والإقصاء والكراهية، بل بالتوافق والإرادة المشتركة.

ومن هنا يصبح التمسك بمشروع “تأسيس” بالنسبة لكثير من أبناء دارفور انحيازاً لفكرة الوطن الممكن، لا مجرد موقف سياسي. إنه تعبير عن رغبة عميقة في الخروج من الحلقة التاريخية التي ظلت تعيد إنتاج الحروب والانقسامات، والانتقال نحو دولة حديثة يشعر فيها كل مواطن أن له مكاناً وكرامة وحقوقاً متساوية.

إن دارفور اليوم لا تحتاج فقط إلى وقف إطلاق نار، بل تحتاج إلى مشروع يعيد للناس ثقتهم في المستقبل، ويقنع الأجيال الجديدة بأن هذا الوطن ما زال قابلاً للحياة. وهذا ما يجعل الأمل المرتبط بالرؤية الجديدة أملاً مختلفاً؛ لأنه ليس حلماً رومانسياً منفصلاً عن الواقع، وإنما أمل يستند إلى مشروع سياسي واجتماعي يسعى لمعالجة جذور الأزمة لا مظاهرها فقط.

الأوطان لا تُبنى بالصمت أمام الخلل، ولا بالحياد أمام المظالم التاريخية، وإنما بالإرادة التي تمتلك شجاعة الاعتراف بالأزمة، والقدرة على إعادة التفكير في شكل الدولة ومعنى المواطنة وطبيعة العلاقة بين المركز والهامش.

ولهذا فإن اللحظة التي تعيشها دارفور اليوم قد تكون واحدة من أهم لحظات التحول في تاريخ السودان الحديث؛ فإما أن يتحول الحوار إلى مدخل لبناء وطن جديد، وإما أن تستمر الحلقة الجهنمية ذاتها التي أهدرت أعمار السودانيين لعقود طويلة.

وحين يصبح الأمل مشروعاً، ويتحول الحوار إلى إرادة جماعية، فإن الوطن نفسه يبدأ في استعادة روحه.

لأن الأمل حين لا يموت… لا يموت الوطن معه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!