
محمد أحمد الزين
منذ بداية الحرب في السودان في أبريل 2023، شهدت البلاد تدهورًا غير مسبوق في الوضع الإنساني، حيث تمزق النسيج الاجتماعي وانهارت مؤسسات الدولة، وتُرك المواطنون في مواجهة مصير غامض ومؤلم. وفقًا لتقرير CNN الصادر في ديسمبر 2025، فإن الفظائع المرتكبة في النزاع بين القوات المسلحة السودانية (SAF) وقوات الدعم السريع (RSF) تجاوزت جميع التوقعات، حيث تتعرض المجتمعات العرقية غير العربية في السودان، وخاصة في ولاية الجزيرة، لجرائم إبادة جماعية ممنهجة.
أحد أكثر المشاهد رعبًا التي كشف عنها التقرير هو اكتشاف الجثث في القنوات المائية في ولاية الجزيرة. كانت الجثث تطفو على سطح المياه، بعضها مربوطة اليدين، مما يشير إلى استهداف منهجي للضحايا. هذه الجثث كانت ترتدي ملابس مدنية، مما يعزز الشكوك بأن معظمهم من المدنيين العزل. في بعض الحالات، كانت الجثث ملقاة في القنوات بينما كانوا أحياء، مما يوضح أن هؤلاء الضحايا قد تم إعدامهم بدم بارد قبل أن يُلقى بهم في المياه. شهادات الناجين وأدلة الصور والفيديوهات، التي قام فريق التحقيق بتحليلها، تبين أن هؤلاء القتلى هم من المجتمعات التي تعرضت للتمييز العرقي، مثل الأشخاص من دارفور أو جنوب السودان.
في التحقيق، تم التوثيق لمقاطع فيديو تظهر جثثًا تطفو في القنوات بالقرب من بِيكَا و وادي مدني. كلما تراجعت المياه في القنوات، كانت الجثث تظهر بشكل مستمر، ما يعني أن هذه العمليات لم تكن حالات عابرة، بل كانت جزءًا من حملة ممنهجة للإبادة.
لم تقتصر الجرائم على إلقاء الجثث في القنوات فقط، بل تضمنت إعدامات جماعية للمدنيين في مناطق مثل جسر الشرطة في وادي مدني. وفقًا للشهادات، تم إعدام العديد من الأشخاص العزل في وضوء النهار بعد أن انتهت المعارك. هؤلاء الضحايا، الذين كانوا يرتدون ملابس مدنية وأحيانًا كانوا بلا أحذية، تم قتلهم برصاص مباشر في الرأس، في حين تم توثيق الجثث ملقاة على الأرض حول السيارات المحترقة. كانت معظم الجثث عارية أو مكبلة اليدين، ما يعكس إعدامهم بطريقة قاسية، حيث كانوا يتم قتلهم بدم بارد وبلا رحمة. في بعض الحالات، تم تصوير مقاطع فيديو تظهر القتلى وهم مُلقون في أماكن عامة بعد معركة انتهت، وهو ما يوضح أن القتل لم يكن ناتجًا عن صراع مسلح، بل عن تصفية جماعية للمدنيين.
التحقيق أشار أيضًا إلى أن هذه الجرائم كانت جزءًا من حملة منسقة تستهدف المجتمعات غير العربية في السودان، مثل الكنابي، الذين يُعتبرون من المجتمعات المهمشة في ولاية الجزيرة. وفقًا للعديد من الشهادات، قامت القوات المسلحة السودانية ومليشياتها بشن هجمات وحشية ضد هذه المجتمعات، حيث تم حرق المنازل، تدمير المحاصيل الزراعية، وقتل العشرات من المدنيين.
في إحدى الشهادات، قالت امرأة من قرية دار السلام إن الجنود الذين هاجموا قريتها صرخوا قائلين: “سنقتل الجميع، ولن نترك أحدًا”. في قرية أخرى، تعرض السكان لتهديدات مشابهة، حيث قال الجنود إنهم لا يريدون “أي شخص من ذوي البشرة السوداء” في المنطقة. هذا النوع من اللغة العرقية كان جزءًا من سياق إبادة جماعية منظمة تهدف إلى اقتلاع المجتمعات الغير عربية من مناطقهم.
في سياق التحقيق، تم التأكيد على أن القيادة العليا للقوات المسلحة السودانية، بما في ذلك الجنرال عبد الفتاح البرهان، كان لديها علم كامل بالجرائم المرتكبة في ولاية الجزيرة. في يناير 2025، بعد استعادة وادي مدني، ألقى البرهان خطابًا تحت جسر بالقرب من بِيكَا، حيث كانت القنوات التي غسلتها المياه مليئة بالجثث. ورغم الأدلة على الإبادة العرقية، لم تُتخذ أي خطوات حقيقية من قِبل القيادة العسكرية السودانية لفتح تحقيقات أو محاسبة أي شخص على هذه الجرائم. وقد صرح مسؤولون في القوات المسلحة السودانية بأنهم سيتخذون إجراءات ضد “الانتهاكات الفردية”، ولكن لم يُذكر أي شخص بالتحديد أو يتم تقديم أي من القادة للمحاكمة. وهذا يعزز القناعة بأن هذه الجرائم كانت منظمة من أعلى مستويات القيادة، مما يجعل البرهان ورفاقه مسؤولين مباشرًا عن ما حدث.
على الرغم من توثيق هذه الفظائع بشكل كامل، يبدو أن العدالة لا تزال بعيدة المنال. الأمم المتحدة والمنظمات الدولية الأخرى تحاول توثيق الانتهاكات، لكن غياب المحاسبة الفعلية يجعل هذه الجرائم مستمرة دون أي رادع. لم يتم اتخاذ أي خطوات جدية من قبل المجتمع الدولي لوقف هذا النزيف المستمر من الدماء، بينما تعيش الأسر السودانية تحت وطأة القتل والتشريد، دون أمل في أي نوع من العدالة.
إن ما يحدث في السودان اليوم ليس مجرد حرب أهلية، بل هو إبادة جماعية منهجية ضد المدنيين العزل، تستهدف بشكل رئيسي المجتمعات غير العربية. الفظائع التي ارتكبتها القوات المسلحة السودانية، تحت قيادة البرهان، تشير إلى أن هناك دوافع عرقية وراء هذه المجزرة، وأن النظام السوداني قد استغل الصراع في البلاد لتحقيق أهداف عرقية وديمغرافية. من خلال تقرير CNN، أصبح واضحًا أن السودان بحاجة إلى تحقيق دولي عاجل وتدخل إنساني لمنع المزيد من الدماء، ومحاسبة المسؤولين عن هذه الجرائم. إن استمرار الصمت الدولي يعني أن السودان قد يغرق في دائرة من العنف المستمر، التي لا تنتهي إلا مع مغادرة العدالة تمامًا من أفق البلاد.




