
ياسر قور
حين يكتشف جبريل أن التاريخ يكرر درسه القاسي بلا رحمة: من يهرب من سؤال ثورة الحقوق والمواطنة إلى تسوية ناقصة لا يصبح شريكًا في المستقبل، بل ضحية مؤجلة لها. ومن يراهن على خدمة بنية ظالمة ضد مشروع شعبه لا يُكافأ بالشرعية، بل يُستخدم ما دام نافعًا، ثم يُرمى عند أول منعطف، مثل كل خائن.
وهنا، لا تحتاج مأساة جبريل إبراهيم ومن على شاكلته إلى كثير تأويل. فقد راهن على السلطة، لا على المشروع؛ على المقعد، لا على تأسيس وطن. ظنّ أن اتفاق جوبا للسلام منحه شرعية لا تُمس، وأن وزارة المالية صارت امتيازًا مستحقًا له عبر حركته، وأن دخوله في معادلة السودان القديم سيحوّله إلى شريك أصيل فيها. لكن ما غاب عنه—أو تجاهله عمدًا—أن هذه البنية لا تعترف بالشركاء اصلا، بل تدير توازنات مؤقتة، وتوزّع الأدوار بقدر الحاجة، لا بقدر الاستحقاق.
واليوم، حين بدأت مراكز القوة تعيد ترتيب أوراقها، انكشف الرهان. لم يعد جبريل “ضرورة”، بل خيارًا من بين خيارات. فالسوق السياسي داخل هذه المنظومة مليء بالبدائل: تشكيلات مسلحة، قوى محلية، عناصر أعادت تموضعها، وأخرى تنتظر دورها. في مثل هذا السوق، لا تُقاس القيمة بعمق المشروع أو صدق القضية، بل بمدى قابلية الفاعل للاستبدال. وهنا يبرز السؤال الذي لم يسأله جبريل لنفسه يومًا: إذا كانت البدائل متاحة، فما الذي يجعل بقاءه—أو بقاء غيره—حتميًا؟
المفارقة القاسية أن أزمة جبريل لم تبدأ حين هُدِّد موقعه، بل يوم اختزل قضية الهامش—بكل تاريخها من الدم والمعاناة—في منصب تنفيذي. حين تحوّل سؤال الدولة والعدالة والمواطنة إلى تفاوض على حقيبة، كانت الهزيمة قد وقعت بالفعل. وما نراه اليوم ليس إلا نتيجتها المنطقية. فالمقعد الذي بدا غنيمة ينكشف الآن كوظيفة مؤقتة، والاتفاق الذي قُدّم كسلام يظهر كترتيب عابر، والشرعية التي بُنيت على المحاصصة تتبخر عند أول إعادة توزيع للقوة.
الدرس الذي لا يتعلمه كثيرون إلا متأخرين أن أخطر لحظة في تاريخ الشعوب ليست وجود العدو، بل لحظة تحوّل القيادات التي تدّعي الثورية من حَمَلة مشروع إلى طالبي نصيب. عندها يصبح السلام بلا تأسيس، والثورة بلا قطيعة، والهامش بلا رؤية، وتتحول التضحيات إلى عملة في سوق السلطة—أي إلى خيانة صريحة للقضية التي رُفعت يومًا باسمها!
أما المستقبل، فلن تصنعه تسويات ناقصة ولا غضب متأخر على من استخدموا تلك التسويات. سيصنعه مشروع واضح: إلغاء اتفاقات الدولة القديمة، تمكين سلطة الأقاليم، بناء تشريع جديد، وتأسيس دولة تقوم على المواطنة والعدالة والتعدد. ذلك وحده هو الانتصار الذي يستحق أن يُسمّى تاريخًا.



