رأي

الخيانة في زمن الدم… كيف ينهار الرجال عند أول عاصفة؟

د.إخلاص قرنق

 

د. إخلاص قرنق

ليست الهزائم دائماً تلك التي تأتي من فوهات البنادق، ولا أكثر الطعنات وجعاً هي التي يوجهها الأعداء.

أقسى الهزائم هي تلك التي تأتي من الداخل؛ حين يسقط الذين ظننتهم جدارك الأخير، ويغادر الذين أقسموا يوماً أنهم لن يتركوا الطريق مهما اشتدت العواصف.

فالعدو واضح الملامح، مباشر القصد، لا يخفي عداءه.

أما الخُذلان، فهو الوجه الآخر للخيانة حين ترتدي ثياب الرفاق، وتتحدث بلغة الوفاء، ثم تنقلب فجأة إلى سكين مغروس في ظهر القضية.

إن انشقاق السافنا عن الدعم السريع لم يكن مجرد تحول سياسي أو تبدل في المواقع العسكرية، بل كان لحظة كاشفة وعارية، أسقطت كثيراً من الأقنعة، وأظهرت أن بعض الذين تصدروا الصفوف لم يكونوا مؤمنين بالقضية بقدر إيمانهم بما تمنحه لهم من نفوذ ومكاسب ومقاعد مؤقتة.

فالذين غادروا الطريق في منتصف العاصفة، لم يخذلوا قيادة أو تنظيماً فحسب، بل خذلوا ذاكرة الدم نفسها؛

خذلوا المقاتلين الذين ما زالت أجسادهم تنزف في المتاريس، والأمهات اللواتي ينتظرن أبناءً لن يعودوا، والأطفال الذين كبروا على صوت القصف والدخان والخوف.

الخُذلان مؤلم لأنه يأتي ممن يعرفون الحقيقة كاملة.

يعرفون عدد القبور التي فُتحت، وعدد الأرواح التي صعدت، وحجم التضحيات التي بُذلت، ثم رغم ذلك يختارون المغادرة في اللحظة الأكثر ظلمة، كأنهم لم يكونوا جزءاً من الحكاية يوماً.

هناك فرق شاسع بين من يختلف عن قناعة فكرية أو سياسية، وبين من يهرب حين تصبح الكلفة عالية.

فالرجال لا تُعرف معادنهم في أوقات التصفيق والانتصارات، بل في لحظات الانكسار، حين يصبح الثبات أكثر وجعاً من الرحيل.

لقد كان بعض الناس يهتفون للقضية ما دامت تمنحهم الضوء والمكانة، لكن عندما أصبح الطريق مليئاً بالخسارات، سقطت الأقنعة سريعاً، واتضح أن البعض لم يكن يحمل مبدأ، بل كان يحمل مصلحة مؤقتة تخشى السقوط.

إن دماء الشهداء ليست سلعة للمساومة، ولا جسراً يعبر فوقه الانتهازيون نحو النجاة الشخصية أو السلطة أو الأمان المؤقت.

فالذين يبيعون رفاق الأمس عند أول منعطف، لا يصنعون مستقبلاً، بل يكتبون أسماءهم بأيديهم في سجل الخذلان الكبير.

التاريخ لا يتذكر الواقفين في المناطق الآمنة، بل يحتفظ بأسماء الذين ثبتوا حين اهتز الجميع، والذين دفعوا الثمن كاملاً دون أن يبيعوا ضمائرهم أو يساوموا على ما آمنوا به.

الخُذلان لا يقتل الجسد فقط، بل يرهق الروح، ويزرع الشك داخل القلوب، ويترك خلفه شعوراً مراً بأن بعض المعارك لا تنهزم بالسلاح، بل بانهيار النفوس من الداخل.

ومع ذلك، تبقى هناك حقيقة لا تتغير:

القضايا التي تُبنى على الإيمان العميق لا يسقطها المنشقون، ولا يهزمها المتعبون، لأن قوة القضايا العادلة لا تُقاس بعدد الذين غادروها، بل بصدق الذين ظلوا متمسكين بها حتى النهاية.

الخُذلان الحقيقي ليس في سقوط المدن أو خسارة المواقع، بل في سقوط الإنسان نفسه حين يبيع ضميره بثمن رخيص، ويستبدل الوفاء بالمصلحة، والشرف بالخوف، والمبدأ بالمكاسب العابرة.

ما أكثر الذين تحدثوا بالأمس عن التضحية والثبات، ثم اكتشف الجميع أن كلماتهم لم تكن سوى أقنعة براقة تخفي خلفها أطماعاً صغيرة ونفوساً مهزوزة.

باعوا أخلاقهم في سوق رخيص،

ورهنوا ضمائرهم مقابل وعود مؤقتة لا تساوي شيئاً أمام دم شهيد، أو دمعة أم، أو وطن يشتعل بالنار.

ظنوا أن النجاة في تبديل المواقف، وأن التاريخ يمكن خداعه بالبيانات والتبريرات والخطب المرتجفة، لكن الحقيقة لا تموت، والوجوه تسقط مهما حاولت الاختباء خلف الشعارات.

ما أقسى أن يتحول بعض الرجال إلى مجرد أسماء عابرة في قائمة الانتهازيين، بعد أن امتلكوا فرصة نادرة ليكونوا في صف الكرامة.

لكن النفوس الضعيفة دائماً تبحث عن المقاعد الآمنة، حتى لو مرت فوق الجثث والآلام والخراب.

وسيأتي يوم يكتشف فيه هؤلاء أن الدنيا التي باعوا من أجلها ضمائرهم كانت أصغر وأرخص من أن تستحق كل هذا السقوط.

فالمواقف لا تُقاس بما يجنيه الإنسان من مال أو حماية أو نفوذ، بل بما يحافظ عليه من شرف وصدق ووفاء.

وفي النهاية…

يبقى الشهداء أنقى من كل الذين خانوا،

ويبقى الثابتون أشرف من كل الذين انحنوا،

ويبقى الوطن أكبر من تجار المواقف والعابرين فوق الدماء.

أما الذين باعوا ضمائرهم بثمن بخس،

فسيحملون خيبة الخُذلان إلى آخر العمر،

لأن الإنسان قد يهرب من الناس جميعاً…

لكنه لا يستطيع أن يهرب من صوته الداخلي حين يستيقظ الضمير متأخراً.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!