رأي

شبكات الفساد في حكومة بورتسودان: قراءة في صفقة: (ديب متالز)

علي أحمد

علي أحمد

ما يجري في السودان اليوم لا يخرج عن كونه نموذجًا صارخًا لسيطرة شبكات الفساد على مفاصل الدولة والموارد، وهو ما يتجسد بوضوح في فضيحة “ديب متالز” التي تكشف عن شبكة مصالح معقدة تضم سماسرة، وزراء، ورجال أعمال محليين وأجانب. هذه الصفقة ليست مجرد استثمار في التعدين، بل هي صورة مكثفة لعلاقة المال بالسياسة والنهب المنظم في ظل غياب المؤسسات الرقابية المستقلة.

القضية تبدأ من السمسار عمر النمير، الهارب من الإمارات، والذي عرف بفضائحه المالية منذ بنك النيلين. حاول أولاً استقطاب أحمد أبوهشيمة، رجل الأعمال المصري المعروف، مقدماً نفسه كقريب من السلطة عبر صورة تجمعه بالبرهان. وحين تردد أبوهشيمة، انتقل النمير إلى محمد الجارحي الذي انخدع بالوعود ودفع الأموال لتأسيس الشراكة. غير أن الأمر لم يقف عند هذه الحلقة، إذ انكشفت خيوط أكثر خطورة بظهور الوزير نور الدائم، الذي دخل في الشراكة بنسبة 25% عبر اتفاق داخلي، ومعه مبارك أردول الذي حصل على 7.5% رغم كونه حتى وقت قريب مديرًا للشركة السودانية للموارد المعدنية.

وهنا تكمن خطورة المشهد: أردول بحكم منصبه السابق كان مطلعًا على أدق تفاصيل قطاع التعدين، من حجم الاحتياطات إلى أسماء الشركات العاملة وشبكات التهريب. انتقاله مباشرة إلى شراكة استثمارية في ذات القطاع يمثل تعارض مصالح فادحًا، كان من المفترض أن يمنعه القانون والممارسات الدولية الرشيدة. ففي الدول التي تحترم مواردها، هناك ما يعرف بـ”فترة التجميد” (Cooling-off period) التي تمنع أي مسؤول سابق من العمل في نفس القطاع لفترة تمتد عادة من ثلاث إلى خمس سنوات. لكن في السودان، حيث تغيب الشفافية ويغيب مسجل شركات مستقل، تمر مثل هذه الصفقات دون مساءلة.

المثير أن هذه الشبكات لم تكتفِ بالتحكم في قطاع التعدين، بل وجدت في مؤسسات اجتماعية مثل نادي المريخ ستارًا لغسيل الأموال. مجاهد سهل، شريك النمير، استغل موقعه في النادي لإضفاء شرعية اجتماعية على أنشطة تجارية مشبوهة. وهكذا يتداخل المال الرياضي بالمال السياسي، ليشكل غطاءً إضافيًا لعمليات النهب.

إن فضيحة “ديب متالز” تكشف بجلاء أن ما يحكم السودان اليوم ليس دولة مؤسسات، بل شبكات فساد ريعية متحالفة ومتصارعة في آن. هؤلاء الفاعلون لا يرون في السودان إلا منجمًا مفتوحًا لنهب الذهب والموارد، بينما يترك المواطن فريسة للحرب والجوع والنزوح. من هنا تبرز الحاجة إلى إعادة بناء الدولة على أسس الشفافية والمساءلة، وتحصين القطاعات الاستراتيجية من تغول السياسيين والسماسرة. دون ذلك، سيظل السودان ماضياً في طريق الانهيار المؤسسي والفوضى، تتقاذفه مافيات السلطة والثروة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!