
سمية النور دهب ،، دبلن
في زمن الحرب، يتراجع صوت الفكرة أمام ضجيج البندقية
لم تكن الحرب السودانية مجرد مواجهة عسكرية أعادت رسم خرائط السيطرة والنفوذ، بل كانت زلزالاً سياسياً عميقاً أطاح بتوازنات المجال العام، وأعاد ترتيب مصادر الشرعية والقوة داخل الدولة والمجتمع. فمنذ اندلاع القتال، تراجع حضور الأحزاب السياسية بصورة لافتة، بينما صعدت الأصوات العسكرية والكيانات الإنسانية والأجسام الميدانية التي فرضتها ضرورات البقاء اليومي. وهكذا، انتقلت البلاد تدريجياً من ساحة يتنافس فيها السياسيون على البرامج والرؤى، إلى فضاء تحكمه اعتبارات الأمن والخوف والغذاء والنجاة.
الحرب بطبيعتها بيئة معادية للعمل السياسي المدني. فهي لا تمنح الوقت الكافي للنقاشات الفكرية ولا تسمح ببناء التوافقات الهادئة، بل تدفع المجتمعات نحو الاصطفاف الحاد والتعبئة والانغلاق. وفي مثل هذه الظروف، تصبح اللغة الأكثر نفاذاً هي لغة القوة المسلحة، بينما تتراجع السياسة بوصفها فعلاً قائماً على الحوار والتفاوض والتعدد. ولذلك لم يكن غريباً أن تفقد الأحزاب كثيراً من تأثيرها خلال الحرب، خاصة أنها دخلت الصراع وهي تعاني أصلاً من أزمات هيكلية مزمنة تتعلق بالانقسام وضعف البناء المؤسسي وغياب التجديد القيادي والفكري.
كما أن الأحزاب السودانية دفعت ثمن ابتعادها الطويل عن التحولات الاجتماعية العميقة داخل المجتمع، لا سيما وسط الأجيال الشابة التي باتت ترى في الخطاب السياسي التقليدي لغة مستهلكة عاجزة عن فهم واقعها الجديد. وخلال سنوات الحرب، ظهرت كيانات ميدانية بديلة أكثر التصاقاً بالحياة اليومية للمواطنين، مثل المبادرات الإنسانية ولجان الطوارئ والمجموعات المحلية التي أدارت ملفات الغذاء والدواء والإيواء. هذه الأجسام لم تملأ فقط فراغ الخدمات، بل بدأت عملياً في احتلال مساحة التأثير المجتمعي التي كانت الأحزاب تدّعي احتكارها تاريخياً.
في المقابل، استعادت المؤسسة العسكرية مركز الثقل السياسي بصورة كاملة تقريباً، ليس فقط بحكم امتلاكها القوة المسلحة، وإنما أيضاً بسبب انهيار مؤسسات الدولة المدنية وتراجع قدرة القوى السياسية على إنتاج مشروع وطني موحد. ومع تصاعد المخاوف الأمنية واتساع رقعة الانهيار، أصبح الخطاب المرتبط بالحسم العسكري أكثر قبولاً لدى قطاعات واسعة أنهكتها الفوضى والخوف والنزوح.
غير أن الأزمة لم تتوقف عند حدود تراجع الأحزاب، بل امتدت إلى إعادة تشكيل الوعي العام نفسه. فالحروب الطويلة تنتج عادة ثقافة سياسية جديدة تقوم على التخوين والاستقطاب واعتبار الاختلاف تهديداً وجودياً. وفي هذه البيئة، يضيق المجال أمام الإعلام الحر والنقابات والعمل المدني، بينما تزدهر التنظيمات المغلقة وخطابات التعبئة والكراهية، ويتحول المجتمع تدريجياً إلى حالة استنفار دائم.
ورغم هذا المشهد القاتم، فإن السياسة لا تختفي نهائياً حتى في أقسى الحروب، بل تعيد تشكيل أدواتها ووسائل حضورها. لذلك يبقى مستقبل الأحزاب السودانية مرتبطاً بقدرتها على مراجعة تجربتها بجرأة، والخروج من أسر الزعامات التقليدية، وبناء مشروع سياسي جديد يستند إلى قضايا الناس الحقيقية: السلام، وإعادة الإعمار، والعدالة، واستعادة الدولة المدنية.
فالسودان بعد الحرب لن يشبه ما قبلها، والقوى التي ستقود المستقبل لن تكون بالضرورة هي ذات القوى التي تصدرت المشهد القديم. وفي لحظات التحولات الكبرى، لا تنتصر الكيانات التي تملك التاريخ فقط، بل تلك التي تمتلك القدرة على فهم الزمن الجديد.




