رأي

البياض الملوث بالدم: من خيانة التوزيع الجغرافي إلى بتر الأعضاء كسلاح حرب

د. عبد الله محمد ادم يكتب من كيغالي

 

عبدالله محمد آدم ،،،  كيغالي

في مايو من العام الماضي، كتبت مقالاً تحت عنوان “خيانة (الكوت) الأبيض، هل حوّل الطب ساحات الشفاء إلى خنادق حرب؟”، ناقشت فيه الإشكالية الأخلاقية العميقة المتمثلة في تحول بعض المنظمات الطبية السودانية والهيئات المهنية إلى أدوات في الصراع، وذلك من خلال توزيع خدماتها بشكل غير عادل يفضّل مناطق سيطرة الجيش على تلك التي تسيطر عليها قوات الدعم السريع. وقتها، وصفتُ هذا السلوك بأنه “جريمة أخلاقية” ضد مهنة الطب وضد شعب يئن تحت وطأة الحرب وقلت إن الطبيب الذي يختار بين مريض وآخر بناءً على خريطة المعارك ليس مجرد منحاز بل شريك في تحويل الطب إلى سلاح.

لكن ما كنا نتصوره وقتها كمجرد “انحياز سلبي” عبر حرمان مناطق بعينها من الخدمات الطبية يبدو اليوم – في ضوء ما كشف عنه الفريق أول البرهان مؤخراً – مجرد غيض من فيض، فالتصريحات التي أدلى بها قبل يومين و التي نسب فيها إلى بعض الأطباء تقديم معلومات استخباراتية ساعدت الجيش في تحديد أماكن جرحى قوات الدعم السريع، بل و الوصول إلى حد قطع أعضاء بعض الجرحى دون مبررات طبية بهدف إعاقة حركتهم وإلحاق الهزيمة بهم، تضعنا أمام مفترق أخلاقي لا يحتمل أي تبرير،فلقد انتقلنا في مشهد واحد من سلبيات الإهمال و التهميش الجغرافي إلى إيجابيات القتل والتصفية،ففي الوقت الذي كنت أتساءل فيه: “أين ذهبت أخلاقيات المهنة؟” و”كيف يقبل طبيب أقسم على قسم أبقراط أن يرفض علاج مريض لمجرد أن سكنه يقع في منطقة نفوذ الخصم؟”، ها نحن اليوم أمام سؤال أكثر إيلاماً: كيف يقبل طبيب أن يحول مشرطه إلى سيف؟ و كيف يسمح ضميره لأن يكون احد أسباب الموت بدلاً من أن يكون سبباً في الحياة؟

بحسب ما نقلته الاخبار عن تصريحات البرهان، فإن بعض الأطباء “لعبوا دوراً حاسماً كأدوات حرب” من خلال التجسس و تحديد الإحداثيات، بل و وصل الأمر إلى حد “إجراء عمليات بتر غير ضرورية للجنود الجرحى” بهدف إعاقة حركتهم . هذا ليس انحيازاً، هذا ليس تقصيراً، هذا هو بعينه جريمة حرب موصوفة في كل مواثيق القانون الدولي الإنساني.

لكن لا يمكننا – ولا يجب علينا – أن نخلط بين كل الأطباء و المنظمات الطبية. فبعضها، مثل منظمة SAPA، قد استجابت للنقد السابق وأثبتت حيادها النسبي في تقديم الخدمات لكل السودانيين بغض النظر عن مناطق سيطرتهم وهذا يستحق أن ننوه به، فالاعتراف بالجهة المبذولة جزء من الدقة و الموضوعية التي يجب أن تتحلى بها كتاباتنا،ولكن من ناحية أخرى، فإن ما ورد على لسان البرهان- سواء كان دقيقاً أو مبالغاً فيه – يجب ألا يمر دون تقصي جاد وشفاف. والمطلوب الآن هو:

أولاً: التحقيق الجنائي المستقل ،حيث يجب على النيابة العامة السودانية، بالتنسيق مع لجان دولية، أن تفتح تحقيقاً فورياً في هذه الادعاءات الخطيرة و لا يجوز الاكتفاء بالتصريحات الإعلامية، يجب الوصول إلى أسماء الأطباء المتورطين – إن وجدوا – وتحديد المستشفيات التي حدثت فيها هذه الجرائم.

ثانياً: المحاكمة كمجرمي حرب،إذا ثبت أن طبيباً قام ببتر عضو سليم من جريح لمجرد أنه من الطرف الآخر، أو حقنه بدم ملوث، أو تعمد إعطاءه فصيلة دم غير متوافقة، فهذا الفعل لا يقل فداحة عن أي جريمة حرب ارتكبت في دارفور أو غيرها . ويجب أن يُحاكموا أمام المحاكم الوطنية أو أمام المحكمة الجنائية الدولية، التي أكد نائب المدعي العام فيها مؤخراً أن “جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية ترتكب في السودان” .

ثالثاً: السحب الدائم لرخصة مزاولة المهنة

فما فعله هؤلاء الأطباء – إن صحت الروايات – هو خيانة عظمى لرسالة الطب، يجب تجريدهم من الشهادة الطبية و منعهم من ممارسة مهنة العلاج في أي بقعة من الأرض، ليس انتقاماً، بل حماية لأرواح المرضى في المستقبل، فالطبيب الذي خان عهد أبقراط لا يمكن الوثوق به مرة أخرى.

لكن في خضم هذا الغضب المشروع، أحذر من الانزلاق إلى فخ التعميم، فليس كل طبيب سوداني خائن، وليس كل منظمة طبية متواطئة، هناك أطباء دفعوا الثمن غالياً بسبب تمسكهم بالحياد، وهناك منظمات أشرت إليها سابقاً بدأت، بعد النقد، تتحرك بشكل أكثر توازناً يجب دعم هؤلاء وتشجيعهم، لأنهم يمثلون الأمل الوحيد في استعادة قدسية الرداء الأبيض والحقيقة أن تصريحات البرهان حملت تناقضاً صارخاً، حيث قال من ناحية إن بعض الأطباء قدموا استخبارات ساعدت في “الانتصارات”، وفي الوقت نفسه اعترف بوجود “عنف” مارسه جنود الجيش ضد الكوادر الطبية وقدم “اعتذاراً” عن ذلك . هذا التناقض يعكس فوضى أخلاقية عميقة، فكيف يمكن أن نكرم الطبيب على تجسسه وفي نفس اللحظة نعتذر عن استهداف زملائه؟

الصورة التي بدأت تتكشف أمامنا عن بعض الأطباء الذين تحولوا إلى جلادين و عملاء استخبارات، هي أسوأ مما كنت أخشاه عندما كتبت المقال الأول،فقد كنت أتحدث وقتها عن “تحويل الطب إلى سلاح” كمجاز بلاغي يحذر من انهيار القيم، أما اليوم، فإن الخبر الذي نشرته والمواقع السودانية عن “عمليات البتر غير المبررة” و”حقن الدماء الملوثة” يجعل من هذا المجاز حقيقة سريرية مروعة .

لذا إنني أناشد المجتمع الطبي العالمي ونقابة الأطباء السودانيين، و المدعي العام للمحكمة الجنائية أن يأخذوا هذه الادعاءات على محمل الجد،فقد صرختُ في مايو الماضي محذراً من تمزيق النسيج الاجتماعي، وأصرخ اليوم محذراً من تحول المستشفيات إلى غرف تعذيب تحت غطاء العلاج.

الطبيب الحقيقي لا يعرف حدوداً سوى حدود الإنسانية، ولا يعرف خريطة سوى خريطة الألم،أما من يحمل المشرط ليقطع جسد جريح عاجز عن الدفاع عن نفسه، ويبرر ذلك بالانتماء أو الانتصار، فهو ليس طبيباً – بل مجرم حرب يرتدي رداء أبيض.

فهل سمعتم صراخي أيها الأطباء الحقيقيون قبل فوات الأوان؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!