رأي

بين التمثيل والكفاءة

نجوي بابو

 

نجوي بابو 

لم يعد النقاش حول تمكين المرأة في السودان يدور فقط حول الحق في المشاركة، فهذا حق استقر نسبيا سياسيًا وأخلاقيًا بعد عقود من النضال لبعض النساء اللواتي حظين بالتعليم والمعرفة . لكن التجربة الانتقالية طرحت سؤالًا أكثر تعقيدًا: ماذا بعد التمكين؟ وهل يكفي الحضور الرمزي أو المحاصصاتي لصناعة أداء فعّال في إدارة الدولة؟

دخلت المرأة السودانية مرحلة ما بعد الثورة كأحد رموز التغيير، وتولت مواقع تنفيذية ودبلوماسية وتشريعية مهمة. لكن التجربة أظهرت فجوة واضحة بين التمثيل الشكلي والكفاءة المؤسسية، وبين الرمزية السياسية ومتطلبات إدارة دولة تمر بمرحلة انتقالية شديدة التعقيد.

في الحكومة الانتقالية، برزت مشاركات نسوية في مواقع سيادية وتنفيذية، بينها وزارات حساسة مثل الخارجية وغيرها. غير أن تقييم الأداء العام لا يمكن فصله عن السياق السياسي المضطرب، حيث واجهت الدولة تحديات ضخمة: إعادة التموضع الدولي، إدارة علاقات خارجية شديدة الحساسية، وصراعات داخلية بين مكونات السلطة الانتقالية، وصولًا إلى أزمة 2021 ثم الحرب في 2023. في مثل هذا السياق، يصبح الحكم على الأداء مرتبطًا ببيئة سياسية معقدة لا بالأفراد وحدهم.

كما اصطدمت بعض التجارب النسوية في المناصب التنفيذية بواقع إداري مترهل ومؤسسات ضعيفة وتدخلات حزبية كثيفة، ما جعل عملية الإدارة أكثر صعوبة. لكن في الوقت نفسه، لا يمكن تجاهل أن آليات الاختيار نفسها كانت في كثير من الأحيان قائمة على التوازنات السياسية والمحاصصات، أكثر من اعتمادها على معايير صارمة من الكفاءة والتدرج المهني.

ولعل أحد أهم دروس هذه المرحلة أن الرمزية السياسية، مهما كانت مهمة، لا تكفي وحدها لإدارة دولة تواجه أزمات عميقة. فالدولة لا تُدار بالشعارات أو التمثيل، بل بمنظومة مؤسسية قادرة على إنتاج القرار وتنفيذه بكفاءة واستمرارية.

وفي سياق متصل، تكشف التجربة أن قضية إعداد وتأهيل النساء للعمل السياسي ما زالت من نقاط الضعف البنيوية. فعلى الرغم من التفوق الأكاديمي الواضح لكثير من النساء السودانيات، إلا أن هذا التفوق لم يترجم دائمًا إلى حضور قوي داخل دوائر اتخاذ القرار. فقد ظلت المشاركة في كثير من الحالات محصورة في أدوار تنفيذية أو تمثيلية، دون تراكم سياسي كافٍ داخل الأحزاب أو مؤسسات الدولة.

كما أن غياب مسار واضح للتأهيل السياسي والإداري جعل انتقال بعض الكوادر النسوية إلى مواقع السلطة يتم بسرعة، دون المرور بخبرة تراكمية في العمل التنظيمي والسياسي خاصة نساء الريف السوداني ، وهو ما أثر على الجاهزية في التعامل مع الملفات المعقدة.

إن الدرس الأهم من التجربة الانتقالية هو أن تمكين المرأة لا ينبغي أن يُختزل في الوصول إلى المناصب، بل يجب أن يكون مشروعًا متكاملًا لبناء قيادات قادرة على صناعة القرار والاستمرار فيه. فالمساواة الحقيقية لا تعني التمثيل فقط، بل تعني الكفاءة والفاعلية والقدرة على التأثير.

وفي المقابل، فإن نقد الأداء لا يجب أن يُفهم كاستهداف للمرأة، بل كدعوة لمراجعة شاملة لمنظومة الحكم والاختيار داخل الدولة. فالإشكال أوسع من الأفراد، إذ يتعلق ببنية سياسية هشة، ومحاصصات حزبية، وضعف في بناء المؤسسات.

في النهاية، تؤكد التجربة السودانية أن الدولة لا تُبنى على النوايا الحسنة أو التمثيل الرمزي، بل على الكفاءة والمؤسسات. وعندما تُطبق هذه المعايير بصرامة، تصبح مشاركة المرأة إضافة حقيقية لا مجرد حضور شكلي، وتتحول من تمثيل سياسي إلى شراكة فعلية في صناعة القرار الوطني.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!