رأي

وسائل التواصل الاجتماعي وتمزيق النسيج الاجتماعي في دارفور: من يدفع ثمن الكراهية؟

كاروكي إسماعيل سليمان

 

كاروكي إسماعيل سليمان

 

حين تتحول المنصات الرقمية إلى ساحات لتفكيك المجتمع واستنزاف قضايا الهامش.

“السلام ليس مجرد غياب للحرب، بل حضور للعدالة، وسيادة للعقل، وإيمان بالتنوع

 

مقدمة

لم تعد وسائل التواصل الاجتماعي مجرد منصات لتبادل الآراء والأخبار، بل تحولت في كثير من الأحيان إلى فاعل مؤثر في تشكيل الوعي الجمعي وصناعة المواقف السياسية والاجتماعية. وبينما كان مأمولاً أن تفتح هذه المنصات آفاقاً أوسع للحوار والتفاهم، أصبحت في واقعنا السوداني، ولا سيما في دارفور، مسرحاً مفتوحاً للاستقطاب الحاد، وخطابات الكراهية، وإحياء الانقسامات القبلية والجهوية بصورة تنذر بعواقب خطيرة على مستقبل التعايش الاجتماعي.

وإذا كانت الحرب قد مزقت الجغرافيا، فإن أخطر ما يمكن أن تفعله المنصات الرقمية هو تمزيق الإنسان نفسه، عبر تحويل أبناء المجتمع الواحد إلى خصوم يتبادلون الاتهامات والتخوين والتحريض، حتى أصبح الاختلاف السياسي في كثير من الأحيان مدخلاً لخصومة اجتماعية، وربما قطيعة تاريخية بين مكونات ظلت تتشارك الأرض والمصير لقرون طويلة.

الحرب انتقلت إلى الفضاء الرقمي

منذ اندلاع الحرب في السودان في أبريل 2023، لم تعد المعركة مقتصرة على ساحات القتال، بل امتدت إلى الفضاء الإلكتروني، حيث أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي جبهة موازية تستخدم فيها أدوات الإعلام، والدعاية، والحرب النفسية، وصناعة الرأي العام.

وفي هذا المناخ المشحون، تصاعدت حملات التشويه والتحريض، وانتشرت الحسابات التي تقتات على خطاب الكراهية، مستفيدة من سرعة انتشار المعلومات، وضعف التحقق، والانفعالات التي تفرضها أجواء الحرب.

ولم يعد السؤال هو من يكتب، بل من يدير هذا الخطاب؟ ومن يستفيد من اتساع رقعة الانقسام بين أبناء المجتمع الواحد؟

الاستقطاب… أخطر من الرصاص

تاريخ السودان الحديث يكشف أن الأزمة الأساسية لم تكن يوماً صراعاً بين مكونات الهامش، وإنما أزمة بنيوية في إدارة الدولة، وفي توزيع السلطة والثروة، وفي غياب العدالة التنموية والسياسية.

غير أن ما يحدث اليوم يمثل انحرافاً خطيراً عن جوهر القضية، إذ أصبحت سهام الاتهامات تتجه من أبناء الهامش إلى بعضهم البعض، بينما تتراجع القضايا الحقيقية التي خرجت من أجلها الحركات السياسية والمجتمعية، وفي مقدمتها العدالة والمواطنة المتساوية والتنمية.

فالاستقطاب الإلكتروني لا يعالج المظالم، وإنما يعيد إنتاجها في صورة أكثر تعقيداً، لأنه يزرع الشكوك ويقوض الثقة ويهدم الجسور بين المجتمعات.

من المستفيد؟

السؤال الذي ينبغي أن يطرح بجدية ليس: من كتب هذا المنشور؟ أو من نشر ذلك المقطع؟

بل: من المستفيد من تحويل أبناء دارفور إلى معسكرات متناحرة؟

من المستفيد من استبدال الحوار بالتخوين، والتنوع بالاصطفاف، والتعايش بالكراهية؟

إن إضعاف التماسك الاجتماعي يخدم كل من يسعى إلى استمرار الصراع، لأن المجتمع المنقسم يفقد قدرته على بناء مشروع سياسي جامع، ويصبح أكثر قابلية للاختراق والتوظيف.

ولهذا فإن أي خطاب يغذي الانقسام، مهما كان مصدره، ينبغي التعامل معه بوصفه تهديداً للسلم الاجتماعي، لا مجرد رأي سياسي.

دارفور… تاريخ أطول من الخلافات

رغم ما شهدته دارفور من نزاعات وآلام، فإن تاريخها الممتد يشهد بأنها كانت نموذجاً للتعايش بين الفور، والمساليت، والزغاوة، والداجو، والمجموعات العربية، وغيرها من المكونات التي جمعتها المصاهرة، والأسواق، والرعي، والزراعة، والمصالح المشتركة.

ولم تكن الهوية القبلية، في معظم مراحل التاريخ، مانعاً من التعاون والتكامل، بل كانت جزءاً من فسيفساء اجتماعية حافظت على استقرار الإقليم لعقود طويلة.

ومن المؤسف أن يأتي خطاب إلكتروني متشنج ليمحو، في لحظات، إرثاً صنعته أجيال متعاقبة من التعايش والثقة.

الاختلاف لا يعني العداء

الخلاف السياسي أمر طبيعي في أي مجتمع، بل إنه أحد مظاهر الحيوية الديمقراطية.

لكن تحويل هذا الخلاف إلى عداء اجتماعي أو قبلي يمثل انحداراً خطيراً في الوعي العام، لأن السياسة تتغير، أما العلاقات الاجتماعية فتبقى، وهي التي تحفظ استقرار المجتمعات بعد انتهاء النزاعات.

ولا يمكن بناء مستقبل مشترك إذا أصبحت الانتماءات القبلية معياراً للحكم على الأفراد، أو إذا تحولت وسائل التواصل إلى منصات لإصدار أحكام جماعية بحق المجتمعات.

مسؤولية النخب والإعلام

تقع على عاتق السياسيين والإعلاميين والمثقفين وقادة الرأي مسؤولية أخلاقية ووطنية في مواجهة هذا الانحدار الخطابي.

فالإعلام ليس مجرد ناقل للأحداث، بل هو شريك في صناعة الوعي، ووسائل التواصل ليست فقط أدوات للنشر، بل فضاءات تؤثر في تشكيل القيم والمواقف.

ومن هنا، فإن مسؤولية الكلمة اليوم أصبحت أكبر من أي وقت مضى، لأن منشوراً واحداً قد يشعل فتنة، كما أن كلمة مسؤولة قد تمنع نزاعاً كاملاً.

نحو خطاب يوحد ولا يفرق

السودان اليوم أحوج ما يكون إلى خطاب يعيد الاعتبار لفكرة المواطنة، ويؤسس لشراكة وطنية تقوم على العدالة والمساواة واحترام التنوع.

فالمعركة الحقيقية ليست بين قبائل دارفور، ولا بين مكونات الهامش، وإنما ضد كل ما يعيد إنتاج الظلم، ويغذي الانقسام، ويمنع قيام دولة القانون والمؤسسات.

إن السلام يبدأ من الكلمة، والوحدة تبدأ من الاعتراف بالآخر، والاستقرار يبدأ حين ندرك أن اختلافاتنا يجب أن تكون مصدر قوة لا سبباً للفرقة.

الخاتمة

لن يكون المستقبل أكثر أمناً إذا انتصرت قبيلة على أخرى، أو إذا غلب تيار سياسي منافسيه عبر خطاب الكراهية، بل سيكون أكثر استقراراً حين تنتصر قيم العدالة والمواطنة والتعايش.

إن حماية النسيج الاجتماعي ليست مسؤولية الدولة وحدها، بل هي واجب جماعي يتحمله كل من يكتب، أو ينشر، أو يعلّق، أو يشارك في صناعة الرأي العام.

ويبقى السؤال الذي يجب أن يرافقنا جميعاً قبل نشر أي كلمة: هل ما نكتبه يقرب السودانيين من السلام، أم يدفعهم خطوة أخرى نحو الانقسام؟

كاروكي إسماعيل سليمان

karukeismail@gmail.com

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!