
إبراهيم الشيخ بشارة
لطالما اعتُبر السلام في الوعي الجمعي مجرد اتفاق بين الخصوم، لكنه في جوهره قبل كل شيء عقد اجتماعي يرسّخ القيم المشتركة ويجعل من المواطنة أساسًا للتعايش. السودان اليوم يواجه أزمة سلام ليست فقط بسبب المعارك المسلحة، بل نتيجة إخفاقات مجتمعية بنيوية جعلت دعائم السلام هشّة أمام أي اختبار حقيقي. هذه الإخفاقات تكشف أن المجتمع نفسه، بمؤسساته وقواعده، لم يكن جاهزًا لتحمّل مسؤولية بناء دولة مستقرة تحمي الجميع وتحصّن الأجيال القادمة من الانزلاق نحو العنف.
غياب الحصانة المجتمعية: الانقسام قبل السلاح
أول مظهر للإخفاق يكمن في ضعف المناعة المجتمعية ضد خطاب الكراهية. لقد سمح المجتمع، بما فيه النخب التقليدية والفكرية، بتسرب مفاهيم الإقصاء والفرز الجهوي، حتى صار “الآخر” – الذي يفترض أنه شريك في الوطن – يُختزل في صورة عدو محتمل. هذا التآكل في قيم القبول المتبادل سهّل استقطاب الطاقات الشابة إلى معاقل الصراع، بدل أن تُوجّه نحو مشاريع البناء والتطوير. كما يقول المثل السوداني:
من يزرع الكراهية في قلوب الصغار، يحصد النار في المستقبل.
هذا القول يذكرنا بأن بناء السلام يبدأ من التربية الاجتماعية وقيم القبول والاحترام المتبادل، قبل أي اتفاقيات رسمية أو سياسات مركزية.
تراجع دور الوسائط التقليدية والحديثة
لقد أخفقت المؤسسات الوسيطة، من إدارة أهلية ومنابر فكرية ومنظمات مجتمع مدني، في صياغة مشروع وطني جامع يتجاوز الولاءات القبلية والجهوية. غياب هذه الرؤية الشاملة جعل الهوية الوطنية ضعيفة أمام اختبارات الانقسامات، حيث غلبت الولاءات الصغيرة على المصلحة العليا للوطن. كما يقول المفكر:
الأمة التي تهمل مؤسساتها، تترك الفراغ للفتن أن تنمو.
هذا القول يوضح أن المؤسسات القوية هي حجر الزاوية لبناء مجتمع قادر على مقاومة النزاعات، وأن أي ضعف فيها يفتح المجال للفوضى والصراعات الصغيرة أن تتحول إلى أزمات كبرى.
ثقافة الصمت والسلبية: المواطن مراقب لا فاعل
من أبرز الإخفاقات كذلك سيادة ثقافة الانتظار بدل المبادرة، حيث اكتفى قطاع واسع من المجتمع بدور المراقب بينما كانت دعائم السلام تنهار أمام أعينهم. السلام المستدام لا يتحقق إلا عبر يقظة مدنية مستمرة، ترفض العنف كوسيلة للتعبير، وتفرض الحوار كخيار وحيد للتعايش. كما يقول الحكماء:
من صمت عن الظلم، أصبح جزءًا منه.
هذا القول يوجّه رسالة واضحة: المشاركة المجتمعية الفاعلة ضرورة أساسية، وعدم التفاعل أمام الانتهاكات أو خطاب الكراهية يعني التواطؤ الضمني مع انهيار السلام.
الحاجة إلى سلام اجتماعي شامل
إن استعادة السلام في السودان لا تبدأ من قاعات التفاوض وحدها، بل تبدأ من ترميم النفوس، وإعلاء قيمة الحياة، والاعتراف بأن الجميع تقصّر في حماية الوطن من نفسه. السلام المستدام هو سلام مجتمعي، قادر على الصمود أمام أي عواصف سياسية أو عسكرية، لأنه راسخ في قيم الناس وممارساتهم اليومية. كما يذكّرنا مثل مأثور آخر:
السلام الذي لا يُغرس في القلوب، يزهر على الورق فقط.
ختامًا، السودان اليوم يحتاج إلى مراجعة الذات، ونبذ التفرقة، وإعادة بناء منظومة قيم مشتركة، تجعل من المجتمع صمام أمان ضد الانقسام والعنف. إن “السلام الاجتماعي” الحقيقي لا يُفرض بالقوانين وحدها، بل يُبنى عبر وعي جماعي وثقافة مشاركة حقيقية، ليصبح الوطن مكانًا آمنًا للجميع، بلا استثناء. كما يقول المثل الأخير:
من بنى السلام في قلبه، يستطيع أن يبنيه في وطنه.




