تقارير وتحقيقات

حمدوك وعبدالواحد والدقير يقودون محاولة جديدة لإنقاذ السودان من الانهيار بالعاصمة الكينية نيروبي

التنوير تقرير خاص

 

التنوير تقرير خاص

   

في لحظة سودانية شديدة التعقيد، تعود العاصمة الكينية نيروبي إلى واجهة المشهد السياسي السوداني، وهي تستضيف اجتماعات واسعة للقوى المدنية والسياسية والشخصيات العامة الرافضة للحرب، في محاولة جديدة لإعادة بناء جبهة سياسية موحدة قادرة على كسر حالة الانهيار التي يعيشها السودان منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023.

الاجتماعات التي انطلقت بمشاركة واسعة من التحالفات والأحزاب والقوى المدنية والمهنية، تستمر حتى السبت 23 مايو، وتضم عدداً من أبرز الأسماء السياسية السودانية، على رأسهم رئيس الوزراء السابق عبدالله حمدوك، ورئيس حركة تحرير السودان عبدالواحد محمد نور، ورئيس حزب المؤتمر السوداني عمر الدقير، إلى جانب شخصيات سياسية ونقابية ومجتمعية أخرى تمثل تيارات مختلفة داخل المشهد السوداني.

وتأتي هذه اللقاءات تحت مظلة القوى الموقعة على “إعلان المبادئ السوداني لبناء وطن جديد”، وهو الإعلان الذي جرى تأسيسه في نيروبي خلال ديسمبر الماضي، وشكل حينها أول اصطفاف واسع للقوى المناهضة للحرب منذ اندلاع الصراع بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع.

نيروبي تعود مركزاً للبحث عن مخرج

اختيار نيروبي لاستضافة هذه الاجتماعات لم يكن معزولاً عن طبيعة الدور الذي باتت تلعبه كينيا في الملف السوداني، خاصة مع تعثر معظم المبادرات السياسية الأخرى، واستمرار الحرب دون أفق واضح للحسم العسكري أو التسوية السياسية.

وبينما تتواصل المعارك في عدة مناطق سودانية، تبدو القوى المدنية أمام تحدٍ تاريخي يتمثل في استعادة دورها السياسي بعد شهور طويلة من التراجع والتشظي، حيث تسببت الحرب في إضعاف نفوذ الأحزاب والقوى المدنية، مقابل تصاعد نفوذ الفاعلين العسكريين.

وتشير مصادر مشاركة في الاجتماعات إلى أن النقاشات الحالية تركز بصورة أساسية على بناء رؤية سياسية مشتركة لوقف الحرب، إلى جانب وضع تصورات تتعلق بحماية المدنيين، وإعادة إطلاق العملية السياسية، وصياغة ملامح المرحلة الانتقالية المقبلة.

ويحاول المشاركون تجاوز حالة الاستقطاب الحاد التي عصفت بالقوى المدنية منذ سقوط الحكومة الانتقالية، وسط إدراك متزايد بأن استمرار الانقسامات المدنية يمنح الحرب فرصة إضافية للاستمرار.

إعلان المبادئ.. محاولة لبناء جبهة مناهضة للحرب

يمثل “إعلان المبادئ السوداني لبناء وطن جديد” المرجعية الأساسية لهذه الاجتماعات، حيث نص الإعلان منذ تأسيسه على رفض الحل العسكري، والتأكيد على أن الحرب الحالية لا يمكن أن تنتج استقراراً أو دولة قابلة للحياة.

كما دعا الإعلان إلى ممارسة ضغوط إقليمية ودولية على طرفي النزاع من أجل الالتزام بخريطة الطريق التي طرحتها دول الرباعية، الولايات المتحدة والإمارات والسعودية ومصر، بما يقود إلى وقف لإطلاق النار لأغراض إنسانية يمهد لاحقاً لوقف شامل ودائم للحرب.

ويرى مشاركون في الاجتماعات أن إعادة إحياء هذا الإعلان تمثل محاولة لبناء كتلة سياسية قادرة على مخاطبة المجتمعين الإقليمي والدولي بصوت موحد، خاصة في ظل تزايد القلق الدولي من خطر انهيار الدولة السودانية واتساع رقعة الكارثة الإنسانية.

كما تسعى القوى المشاركة إلى تقديم نفسها بوصفها بديلاً سياسياً قادراً على إعادة إطلاق مشروع الدولة المدنية الديمقراطية، بعيداً عن الهيمنة العسكرية والاستقطاب الأيديولوجي الذي طبع المشهد السوداني لعقود طويلة.

حمدوك ومحاولة استعادة المبادرة المدنية

تكتسب مشاركة عبدالله حمدوك أهمية خاصة، باعتباره الشخصية المدنية الأكثر حضوراً في المشهد السوداني خلال السنوات الأخيرة، ورمزاً لمحاولة الانتقال المدني التي انتهت بانقلاب الجيش ثم اندلاع الحرب.

وخلال الفترة الماضية، ظل حمدوك يدعو إلى بناء جبهة مدنية واسعة لمواجهة الحرب ومنع انهيار السودان، محذراً من أن استمرار الصراع يهدد بتفكك الدولة وتحول البلاد إلى ساحة صراع مفتوحة.

ويرى مقربون من الاجتماعات أن حمدوك يحاول الدفع نحو صياغة توافق سياسي جديد يقوم على أولوية وقف الحرب قبل أي ترتيبات سياسية أخرى، مع إعادة ترتيب أولويات القوى المدنية بعيداً عن الخلافات التقليدية.

كما يسعى، وفق مراقبين، إلى إعادة بناء الثقة بين مكونات القوى المدنية، خاصة بعد سنوات من الانقسامات الحادة التي أضعفت قدرتها على التأثير في مجريات الأحداث.

مشاركة عبدالواحد تكسر العزلة السياسية

واحدة من أبرز النقاط التي لفتت الانتباه في اجتماعات نيروبي هي مشاركة رئيس حركة تحرير السودان عبدالواحد محمد نور، الذي ظل لسنوات بعيداً عن أغلب المبادرات السياسية والتفاوضية المتعلقة بالأزمة السودانية.

ويرى محللون أن مشاركة عبدالواحد تعكس تحولات مهمة داخل بعض الحركات المسلحة، خاصة مع تزايد المخاوف من أن استمرار الحرب الحالية قد يقود إلى انهيار شامل للدولة السودانية، ويهدد مستقبل الأقاليم المتأثرة بالنزاعات المسلحة.

كما أن وجود عبدالواحد إلى جانب قوى مدنية وسياسية مختلفة يمنح الاجتماعات بعداً سياسياً إضافياً، باعتبار أن أي عملية سياسية مستقبلية ستظل بحاجة إلى إشراك الحركات المسلحة ذات التأثير الميداني والسياسي.

ويعتقد مراقبون أن هذه المشاركة قد تفتح الباب أمام بناء تحالفات سياسية جديدة تتجاوز الانقسامات القديمة بين القوى المدنية والحركات المسلحة، خاصة في ظل إدراك متزايد بأن الأزمة السودانية أصبحت أعقد من أن تُحل عبر أدوات القوة العسكرية وحدها.

بين تعقيدات الحرب وفرص التسوية

ورغم الأجواء الإيجابية التي تحيط بالاجتماعات، إلا أن الطريق نحو أي توافق سياسي لا يزال مليئاً بالتحديات، في ظل استمرار العمليات العسكرية، وتعدد المبادرات الإقليمية والدولية، وتباين رؤى القوى السودانية بشأن شكل الحل النهائي.

كما تواجه القوى المدنية معضلة أساسية تتعلق بقدرتها على تحويل هذه الاجتماعات إلى مشروع سياسي فعلي قادر على التأثير في مسار الحرب، خاصة في ظل محدودية أدوات الضغط على الأطراف العسكرية المتحاربة.

لكن، وبرغم هذه التعقيدات، تبدو اجتماعات نيروبي محاولة جديدة لإعادة السياسة إلى واجهة الأزمة السودانية، بعد أكثر من ثلاث سنوات أصبحت فيها لغة السلاح هي الصوت الأعلى في البلاد.

وفي ظل تفاقم الأزمة الإنسانية والانهيار الاقتصادي واتساع النزوح، يترقب السودانيون ما إذا كانت هذه المشاورات ستنجح في فتح نافذة جديدة نحو السلام، أم أنها ستلتحق بسلسلة المبادرات التي اصطدمت سابقاً بواقع الحرب وتشابكات المصالح الإقليمية والدولية.

غير أن المؤكد، بحسب مراقبين، أن السودان بات يقف أمام لحظة مصيرية، وأن أي فرصة لوقف الحرب، مهما بدت صعبة، أصبحت ضرورة وجودية لإنقاذ ما تبقى من الدولة والمجتمع.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!