ياسر العطا ودم كتم: رئيس الأركان الجديد يفتتح عهده بضربة على المدنيين… هل دخلت الحرب طور الاستهداف المفتوح؟
التنوير تقرير مركز الهدف إعداد ابو تبيان

التنوير تقرير مركز الهدف إعداد ابو تبيان
ما جرى في مدينة كتم بولاية شمال دارفور مساء 8 أبريل 2026 ليس مجرد حادثة ضمن سجل حرب طويلة، بل لحظة فاصلة تكشف طبيعة المرحلة القادمة. ضربة بطائرة مسيّرة تستهدف حفل زفاف مكتظ بالمدنيين، تسقط عشرات القتلى والجرحى، وتفتح الباب أمام أسئلة خطيرة حول طبيعة القرار العسكري، وحدود القوة المستخدمة، والرسائل التي تُراد كتابتها بالدم.
لا يمكن فصل هذه الجريمة عن السياق السياسي والعسكري الجديد، خاصة أنها جاءت في مستهل تكليف الفريق أول ياسر عبد الرحمن العطا رئيسًا لهيئة الأركان، في توقيت بالغ الحساسية، ما يجعلها شئنا أم أبينا مرتبطة ببداية عهده.
بداية دامية… ورسالة بلا لبس
حين يبدأ قائد عسكري موقعه الجديد بحدث بهذا الحجم، فإن أول ما يُقرأ ليس البيان الرسمي، بل الواقع على الأرض.
والواقع في كتم يقول إن ضربة جوية استهدفت تجمعًا مدنيًا خالصًا، في مناسبة اجتماعية لا علاقة لها بأي نشاط عسكري، ما أسفر وفق المعلومات الأولية عن مقتل 56 شخصًا على الأقل، بينهم 17 طفلًا، وإصابة 107 آخرين.
هذه ليست أرقامًا عابرة، بل مؤشرات على حجم القوة المستخدمة، وطبيعة الهدف، ونوع الرسالة. ومن وجهة نظري، فإن الرسالة هنا واضحة وخطيرة: لا خطوط حمراء.
خطاب متشدد… وواقع يترجمه
لم يأتِ هذا الحدث من فراغ.
فالتصريحات المنسوبة لياسر العطا، خلال الفترة الماضية، حملت في كثير من الأحيان نبرة حادة، وأحيانًا إشارات فسّرها كثيرون على أنها تستهدف مكونات اجتماعية بعينها. هذا الخطاب، سواء تم تأويله أو فهمه بشكل مباشر، أسهم في خلق مناخ مشحون، يضع المجتمع نفسه داخل دائرة الاستهداف.
حين يتحول الخطاب إلى أداة تعبئة، ثم تأتي الأفعال الميدانية بهذا الشكل، فإن الربط بين الاثنين يصبح مشروعًا، بل وضروريًا لفهم ما يجري.
كتم… الجريمة التي لا يمكن تبريرها
استهداف حفل زفاف ليس خطأً عسكريًا، ولا “أضرارًا جانبية”، بل فعل لا يمكن تبريره بأي معيار.
التجمع كان مدنيًا، الضحايا مدنيون، والمناسبة مدنية خالصة. كل ما في المشهد يقول إن ما حدث يمثل انتهاكًا واضحًا لمبدأ التمييز، أحد أهم قواعد القانون الدولي الإنساني.
المصادر المحلية تحدثت عن مشاهد صادمة:
أطفال تحت الأنقاض، نساء بين الحياة والموت، ودماء تغطي ساحة كانت قبل دقائق مسرحًا للفرح. هذه ليست صورة حرب تقليدية، بل صورة انهيار كامل لأي ضوابط أخلاقية.
هل نحن أمام نمط ممنهج؟
السؤال الأخطر ليس ماذا حدث، بل هل يتكرر؟
فالهجوم على كتم يأتي ضمن سياق أوسع من الضربات التي طالت مرافق مدنية، من مستشفيات إلى أسواق، خلال الأشهر الماضية. هذا التكرار لا يمكن تجاهله، ولا يمكن تفسيره دائمًا بالأخطاء.
من وجهة نظري، فإن استمرار هذا النمط يفتح الباب أمام احتمال وجود توجه أكثر قسوة في إدارة الحرب، توجه لا يرى في المدنيين خطوطًا حمراء، بل جزءًا من مسرح العمليات.
القانون الدولي… اختبار جديد
قانونيًا، ما حدث في كتم يرقى بوضوح إلى جريمة حرب.
استهداف تجمع مدني غير مسلح، في مناسبة اجتماعية، يمثل انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي الإنساني.
أما الحديث عن “الإبادة الجماعية”، فهو توصيف يحتاج إلى تحقيقات دقيقة لإثبات القصد، خاصة إذا كان الاستهداف قائمًا على الهوية. لكن ما لا يحتاج إلى جدل هو أن هذه الجريمة، بهذا الحجم، تستوجب تحقيقًا دوليًا عاجلًا، ومساءلة واضحة.
الأمم المتحدة… قلق بلا أنياب
في أول رد فعل دولي، أعلن الناطق باسم الأمين العام للأمم المتحدة، ستيفان دوجاريك، أن التقارير تشير إلى مقتل عشرات المدنيين، بينهم نساء وأطفال، جراء الهجوم.
لكن، وكما جرت العادة، جاء الرد في إطار “القلق”، دون خطوات عملية واضحة.
وهنا تكمن المشكلة: القلق لا يوقف الطائرات، ولا يحمي المدنيين.
كتم كنقطة تحول
ما حدث في كتم، في تقديري، ليس مجرد جريمة، بل نقطة تحول.
تحول في طبيعة الحرب،
وتحول في سقف العنف،
وتحول في الرسائل التي تُرسل إلى الداخل والخارج.
ربط هذه الحادثة ببداية عهد ياسر العطا ليس استنتاجًا عابرًا، بل قراءة في التوقيت، وفي السياق، وفي طبيعة الخطاب الذي سبقها.
يبقى السؤال الأهم:
هل كانت كتم بداية مرحلة جديدة من الحرب المفتوحة على المدنيين؟
أم أنها جريمة ستُضاف إلى قائمة طويلة… دون حساب؟
في كل الأحوال، ما لا يمكن إنكاره هو أن الدم الذي سُفك في كتم لن يكون حدثًا عابرًا، بل علامة فارقة في تاريخ هذه الحرب، وشاهدًا على لحظة اختلطت فيها السياسة بالعنف، والسلطة بالدم، والقرار العسكري بحياة الأبرياء.




