رأي

دولة 56.. الخراب المؤجل منذ الاستقلال: لا وطن يُبنى فوق أكاذيب التاريخ والاستعلاء!!!!!!

نجم الدين دريسة

 

نجم الدين دريسة 

الأوطان العادلة تُبنى بالشعوب الحرة لا بالنخب الوريثة للاستعمار وحدها

     لم تكن أزمة السودان يوماً مجرد حرب بين جنرالين، ولا صراعاً عابراً على السلطة، ولا نزاعاً سياسياً قابلاً للحل عبر التسويات التقليدية التي درجت النخب السودانية على تدويرها منذ عقود. جوهر المأساة أعمق من ذلك بكثير؛ إنه مأزق تأسيسي كامل لدولة وُلدت معطوبة، واستمرت مشوهة، وعاشت خارج التاريخ الحقيقي لشعبها.

ولهذا يبدو الحديث المتكرر عن “انهيار الدولة السودانية” مثيراً للسخرية أكثر من كونه توصيفاً علمياً دقيقاً. إذ كيف تنهار دولة لم تكتمل شروط وجودها أصلاً؟ وكيف يسقط بناء لم يُشيد على أساس وطني جامع منذ البداية؟ إن ما تشكل بعد عام 1956 لم يكن دولة وطنية بالمعنى السياسي والأخلاقي والتاريخي، بل كان امتداداً إدارياً للاستعمار بأدوات محلية، ونسخة مشوهة من سلطة ورثت الخرائط والمؤسسات والعقليات ذاتها، دون أن ترث فكرة الوطن.

لقد غادر المستعمر جغرافياً، لكنه ترك خلفه طبقة كاملة تتولى حراسة مصالحه القديمة بأسماء وطنية وشعارات زائفة. ومنذ ذلك التاريخ، لم تُبنَ الدولة السودانية حول الإنسان السوداني، بل بُنيت حول الامتيازات، والهيمنة، واحتكار القوة والثروة والمعرفة. كانت دولة نخبة صغيرة ترى نفسها وصية على البلاد، بينما يُعامل الشعب باعتباره مجرد هامش بشري مطلوب منه الطاعة والصمت ودفع الكلفة دائماً.

لهذا ظل السوداني البسيط غائباً عن معادلة السلطة والثروة والهوية. لم يشعر قط أن هذه الدولة دولته، ولا أن مؤسساتها صُممت لخدمته أو حمايته. كانت الدولة بالنسبة لأغلبية السودانيين جهازاً للقمع والجباية والتهميش، لا إطاراً للعدالة والمواطنة والمشاركة المتساوية.

ومن الطبيعي أن تُنتج مثل هذه البنية المختلة مؤسسات أكثر اختلالاً منها. فالجيش الذي كان يفترض أن يتحول إلى مؤسسة وطنية جامعة، جرى تشكيله داخل عقلية استعمارية ترى بعض السودانيين أكثر أهلية للسلطة والسلاح من غيرهم. ولذلك ظل جيشاً هشاً من الداخل، قابلاً للاختراق، غارقاً في الامتيازات، وعاجزاً عن بناء عقيدة قومية حقيقية تتجاوز الانتماءات الضيقة.

أما الخدمة المدنية، التي كان يفترض أن تكون العمود الفقري للدولة الحديثة، فقد تحولت إلى أداة لإعادة إنتاج الهيمنة الاجتماعية والثقافية والسياسية نفسها. لم تكن مؤسسات محايدة، بل منظومات مغلقة تخدم مصالح فئات محددة وتعيد توزيع النفوذ داخل الدائرة ذاتها، بينما تُقصى الأغلبية من فرص المشاركة والتأثير.

والأحزاب السياسية لم تكن أفضل حالاً. فقد نشأت أغلبها داخل البنية القديمة نفسها، ولذلك حملت أمراضها منذ الولادة. ظلت أحزاباً ضعيفة، عاجزة عن بناء مشروع وطني شامل، وغارقة في الزعامات الطائفية والشللية والمصالح الضيقة. وحتى حين رفعت شعارات قومية وحداثية، فإن ممارساتها بقيت أسيرة العقل القديم الذي يرى السودان مزرعة خاصة للنخب المتعاقبة.

لهذا فإن الحروب التي اجتاحت السودان لم تكن حوادث طارئة، بل كانت النتيجة الطبيعية لدولة تأسست على الإقصاء والكذب التاريخي والتفاوت البنيوي. فالدولة التي تُبنى على احتقار أطرافها لا يمكن أن تصنع استقراراً دائماً، والدولة التي تُدار عبر الامتيازات لا يمكن أن تنتج عدالة، والدولة التي تؤسس هويتها على الإنكار لا تستطيع صناعة وطن متماسك.

إن أخطر ما يواجه السودان اليوم ليس الحرب وحدها، بل تلك العقلية التي ما تزال تؤمن بإمكانية إعادة إنتاج النموذج القديم بعد كل هذا الخراب. عقلية تتعامل مع الأزمة باعتبارها مجرد خلل إداري أو انحراف سياسي محدود، بينما الحقيقة أن الأزمة هي أزمة تأسيس كامل، وأزمة تصور للدولة نفسها.

إن العودة إلى دولة ما بعد الاستعمار تعني ببساطة العودة إلى أسباب الانفجار ذاته. وتعني إعادة تدوير الفشل بأسماء جديدة وخطابات مختلفة. فلا يمكن إصلاح بناء تأسس على التشوه من جذوره، ولا يمكن صناعة وطن عادل بعقلية تعتبر بعض المواطنين ملاكاً للبلاد والبقية مجرد تابعين.

السودان بحاجة إلى قطيعة تاريخية شجاعة مع تلك الدولة النخبوية القديمة؛ قطيعة لا تكتفي بتغيير الحكومات، بل تعيد تعريف معنى الدولة والسلطة والمواطنة والعلاقة بين المركز والأطراف. المطلوب ليس ترميم الخراب، بل تأسيس جديد بالكامل يقوم على الاعتراف الحقيقي بالتعدد، وعلى العدالة السياسية والاقتصادية والثقافية، وعلى عقد اجتماعي يساوي بين الناس لا بين القبائل والمناطق والنخب.

إن الأوطان لا تُبنى بالخرافات القديمة ولا بالسرديات المزيفة ولا بتمجيد تاريخ مصنوع لخدمة السلطة. الأوطان الحقيقية تُبنى حين يشعر الإنسان أن كرامته مصانة، وأن صوته مسموع، وأن الدولة ليست سجناً كبيراً تحرسه البنادق، بل فضاءً عادلاً يتسع للجميع.

وعندما يصل السودان إلى تلك اللحظة، لن يكون قد أصلح دولة قديمة، بل سيكون قد صنع دولته الأولى فعلاً.

دريسة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!