رأي

العلمانية في السودان بين التحديات وآفاق المستقبل

د.دقاش حسب الله دقاش

 

د.دقاش حسب الله دقاش

مقاربة تحليلية في ضوء التكوين التاريخي والواقع الاجتماعي والسياسي.

تمثل مسألة العلمانية في السودان واحدة من أكثر القضايا تعقيداً وجدلاً في الخطاب السياسي والفكري منذ فجر الاستقلال وإلى يومنا هذا. ذلك أن النقاش حولها لا ينحصر في بعد قانوني أو إجرائي محض، وإنما يمتد إلى طبقات متداخلة من الهوية والثقافة والذاكرة الجمعية وطبيعة العلاقة بين الدين والدولة والمجتمع في بلد تتقاطع فيه جغرافيا الصحراء والسافانا والنيل مع مسارات التاريخ الإفريقي والعربي والإسلامي على نحو فريد.

ومن هنا فإن تناول العلمانية يقتضي مقاربة منهجية تتجاوز الشعارات وتغوص في بنية الواقع باحثة عن معنى ممكن لدولة تتسع للجميع دون أن تنكر ذاتها أو تتنكر لجذورها. ينطلق هذا التحليل من فرضية محورية مؤداها أن العلمانية في السودان لا يمكن فهمها بوصفها استيراداً نظرياً جاهزاً من التجربة الفرنسية أو التركية أو الأنجلو سكسونية، بل هي سؤال سوداني بامتياز يتشكل من مادة الواقع السوداني ذاته.

فإذا كانت العلمانية تعني في جوهرها تنظيم العلاقة بين السلطة السياسية والمعتقد الديني بما يضمن حياد الدولة إزاء المذاهب ويكفل حرية الضمير والمساواة بين المواطنين، فإن مشروعيتها في أي بيئة تتوقف على قدرتها على الإجابة عن حاجات المجتمع ومخاوفه وتطلعاته لا على مدى مطابقتها لنموذج خارجي جاهز.

ومن هذا المنطلق يغدو من الضروري تتبع مسارات تكون الفكرة في السودان بدءاً من لحظة الاستقلال 1956 مروراً بتحولات ما بعد نميري وصولاً إلى مخاض ما بعد ديسمبر 2019، مع الاستئناس بالوثائق الدستورية والتقارير الرسمية والتجارب المقارنة.

لقد ورث السودان عند الاستقلال بنية قانونية وإدارية مدنية ذات جذور كولونيالية، لكنها لم تكن خالية من المرجعيات الأخلاقية المستمدة من الإسلام بوصفه المكون الثقافي الغالب. فدستور 1973 حاول أن يمسك بالعصا من المنتصف إذ أقر أن الشريعة مصدر من مصادر التشريع دون أن يجعلها المصدر الوحيد، وفتح المجال أمام اجتهاد تشريعي مرن.

غير أن هذا التوازن الهش انهار مع مطلع الثمانينيات حين اتجه نظام النميري إلى ما عرف بقوانين سبتمبر 1983، فأضفى طابعاً جزائياً على منظومة الشريعة بصورة مفاجئة وبدون تمهيد مجتمعي كاف، مما ولد ردود فعل حادة وعمّق من الانقسام بين الشمال والجنوب وغذّى شعور بعض المكونات بأن الدولة لم تعد تحتضنها بل صارت أداة لتعميم هوية واحدة على حساب تعددها التاريخي كما وثقته تقارير لجنة التحقيق في أسباب الحرب الأهلية ودراسات منصور خالد في كتابه النخبة السودانية.

ومع سقوط نظام مايو ودخول البلاد في مسارات ديمقراطية متقطعة، ظلت مسألة المرجعية الدستورية بؤرة صراع بين تيار يرى في الدولة الإسلامية ضماناً للتماسك الأخلاقي والهوية، وتيار يرى في العلمانية شرطاً لوقف الحروب الأهلية وحماية التنوع.

ولعل انفصال جنوب السودان في عام 2011 شكل لحظة فاصلة في هذا الصراع، فقد وظفه كل طرف في تأكيد رؤيته. فاعتبره البعض نتيجة حتمية لخلط الدين بالسياسة، واعتبره آخرون دليلاً على أن التنازل عن المرجعية الإسلامية لا يوقف نزيف التقسيم بل قد يعجل به.

وهكذا تحول النقاش من حوار حول آليات إدارة التعدد إلى مواجهة وجودية بين مشروعين يتهمان بعضهما البعض بالتفريط أو بالإقصاء، كما بين ذلك عبد الوهاب الأفندي في كتابه من أجل تاريخ آخر للسودان وفرنسيس دينق في كتابه نداء الشعب.

وجاءت ثورة ديسمبر 2019 لتفتح نافذة جديدة على هذا الملف، إذ تبنى إعلان الحرية والتغيير خطاب دولة المواطنة واتخذت حكومة الفترة الانتقالية قرارات رمزية ذات دلالة قوية كإلغاء قوانين النظام العام لسنة 1991 وتعديل نصوص جنائية ارتبطت بالسلوك الشخصي والسماح لغير المسلمين بممارسة شعائرهم دون قيود.

وقد فسرت هذه الخطوات في الأوساط المدنية بوصفها بداية لتأسيس علماني متدرج، في حين رأت فيها قوى دينية انزلاقاً نحو القطيعة مع الهوية.

غير أن تعقيد المشهد السياسي بعد 25 أكتوبر 2021 أعاد خلط الأوراق وأدخل النقاش مرة أخرى في دائرة التجاذب بين العودة إلى المرجعية الإسلامية الصريحة والدفع نحو صيغة مدنية واضحة المعالم.

وإذا أردنا تشخيص التحديات التي تعترض أي طرح علماني في السودان، فإن أولها يكمن في البنية الاجتماعية نفسها. ذلك أن الدين في الوجدان السوداني ليس مجرد طقوس تعبدية، بل هو شبكة معان وقيم وأعراف تضبط السلوك وتشكل الهوية وتوفر معنى للوجود الفردي والجماعي.

ومن ثم فإن أي خطاب يبدو وكأنه يستبعد الدين من الفضاء العام يصطدم بحاجز نفسي وجداني عميق، فضلاً عن أن الذاكرة السياسية ربطت العلمانية بتجربتي الاستعمار واليسار المتطرف مما جعلها في نظر قطاعات واسعة مرادفة للغربة الثقافية والإملاء الخارجي – وهي مخاوف لا يمكن تجاوزها بالتجاهل بل بمعالجتها صراحة من خلال التأكيد على أن الحياد الإداري لا يعني إنكار الهوية ولا إلغاء التعليم الديني ولا المساس بالرموز.

وإلى جانب ذلك تبرز معضلة تعدد المكونات، فالسودان ليس كتلة متجانسة بل فسيفساء من القبائل واللغات والطوائف الصوفية والأنصار والختمية والمسيحيين والكجور وغيرهم، وكل مكون يحمل تصوراً خاصاً للعلاقة المثلى بين الدين والدولة.

ومن هنا فإن فرض نموذج موحد إما علماني صرف أو إسلامي صارم يفضي في الغالب إلى شعور بالتهميش لدى من لم يشملهم هذا النموذج ويعيد إنتاج دورة العنف والانسحاب السياسي كما حدث في تجربة الجنوب، وهو ما حذرت منه تقارير برنامج الأمم المتحدة للتنمية في تقاريرها عن التنمية البشرية في السودان.

ولا يمكن إغفال البعد الإقليمي والدولي، فالمحيط السوداني يتسم بطابع محافظ إلى حد كبير، وأي تحول جذري في الخرطوم ينظر إليه بعيون الريبة من قبل جيرانه. كما أن ضغوط المانحين بعد 2019 ربطت المساعدات بملف الحريات الدينية مما أضفى على النقاش مسحة من الصراع حول السيادة الوطنية، وجعل المعارضين للعلمانية يصورونها بوصفها شرطاً خارجياً لا اختياراً داخلياً.

ومن هنا تصبح الحاجة ملحة إلى تأسيس خطاب وطني مستقل لا يخضع للإملاء ولا يتجاهل معايير حقوق الإنسان المتعارف عليها.

وبالنظر إلى هذه المعطيات تبرز ثلاثة سيناريوهات ممكنة لمعالجة المسألة:

أولاً: السيناريو الأول يقوم على فكرة الدولة المدنية ذات المرجعية الإسلامية المرنة، وهي صيغة تقر بأن الإسلام يشكل المكون الثقافي الغالب لكنها تفرق بين الثابت الأخلاقي والمتغير الفقهي وتفتح الباب أمام اجتهاد معاصر يراعي مقاصد الشريعة ومتطلبات العصر مع ضمانات دستورية صريحة لحرية المعتقد والمساواة. وهو نموذج قريب من تجارب المغرب وتونس ويحظى بفرص قبول نسبي لأنه لا يقطع مع الوجدان الجمعي.

ثانياً: السيناريو الثاني يتمثل في الفصل التام بين الدين والدولة على الطريقة العلمانية الكلاسيكية حيث يخلو الدستور من أي إشارة مرجعية ويقوم التشريع على قاعدة مدنية خالصة. وهذا النموذج وإن كان ينسجم مع منطق الحياد المطلق فإنه يواجه عقبات بنيوية في السودان لجهة غياب الإجماع المجتمعي عليه وخشية أن يتحول إلى أداة إقصاء مضاد تنتج ردة فعل محافظة تعمق الاستقطاب.

ثالثاً: السيناريو الثالث يستند إلى الفيدرالية الثقافية أو القانونية بمعنى أن تترك لكل إقليم أو ولاية حرية اختيار منظومة الأحوال الشخصية التي تناسبه مع احتفاظ الدولة الاتحادية بسيادة القانون العام وضمان الحقوق الأساسية. وهو نموذج مستلهم من تجارب نيجيريا وإثيوبيا وقد يكون أكثر ملاءمة لطبيعة السودان التعددية لكنه يثير مخاوف مشروعة من أن يتحول إلى مقدمة للانفصال ويفاقم من التمايز الإقليمي.

وبالنظر إلى هذه الخيارات يظهر أن المخرج الأكثر قابلية للتطبيق يكمن في صياغة تسوية انتقالية تؤس لدولة مدنية بمعنى الحياد الإداري والقضائي والمساواة القانونية مع الاعتراف بالرمزية الإسلامية للأغلبية دون أن تترتب عليها امتيازات قانونية تميزية.

وتتضمن هذه التسوية أربعة أعمدة:

أولاً: دستور يقر مبدأ المواطنة المتساوية صراحة وينص على أن الدين شأن شخصي لا يمنح أفضلية ولا يفرض حرماناً.

ثانياً: إعادة هيكلة الجهاز القضائي بحيث تكون المحاكم المدنية هي الأصل وتكون المحاكم الشرعية خياراً لمن يرغب في مسائل الأحوال الشخصية.

ثالثاً: إطلاق حوار وطني جامع يضم علماء الدين والمثقفين والطرق الصوفية والكنائس والحركات المدنية والشباب والنساء على قاعدة أن يحدد السودانيون بأنفسهم شكل العلاقة بين الدين والدولة عبر آليات ديمقراطية شفافة وربما استفتاء شعبي في مرحلة لاحقة.

رابعاً: وضع ميثاق أخلاقي وطني يحمي الرموز الدينية من السخرية ويحمي الحريات الفردية من التعدي في آن واحد.

وإذا كان للخطاب أن يرتقي فوق سجال الشعارات فإنه من الضروري إعادة تعريف العلمانية في الوعي العام بوصفها ليست عداءً للدين بل هي ضمانة لحمايته من توظيفه السياسي ولحماية المجتمع من احتكار الحقيقة باسم السماء. فالعلمانية بهذا المعنى لا تلغي المساجد والكنائس ولا تمنع التعليم الديني بل تفصل بين سلطة الدولة وسلطة الفتوى وتمنع أن يتحول الاختلاف الفقهي إلى سبب للحرمان أو العقاب القانوني.

وهي بهذا المعنى قد تكون أوفى لروح التدين الحر من أي نموذج يفرض التدين على نحو فوقي.

إن مستقبل السودان لن يحدده شعار بل سيتحدد من واقع قدرتنا على بناء عقد اجتماعي جديد يقوم على الاعتراف المتبادل والعدالة الانتقالية والتنمية المتوازنة. فإذا نجحنا في صياغة هذا العقد فإن مسألة التسمية ستغدو ثانوية إذ يصبح من المهم أن يشعر المسلم والمسيحي واللاديني في كسلا وكادقلي ونيالا ودنقلا بأن الدولة له ومعه لا عليه ولا ضده وأن القانون يحميه لا يطارده.

وفي الختام يمكن القول إن العلمانية في السودان ليست قدراً محتوماً ولا محظوراً مطلقاً بل هي خيار سياسي مفتوح يخضع لموازين القوى الاجتماعية والثقافية والسياسية. ومفتاحه ليس في استنساخ تجارب الآخرين بل في ابتكار صيغة سودانية تستلهم روح التسامح التي عرفت بها المجتمعات السودانية عبر قرون وتجمع بين احترام المقدس وضمان الحرية وبين الانتماء إلىخ الحضارة الإسلامية والعربية والإفريقية والانفتاح على قيم العصر.

فإذا توفرت الإرادة والصدق والحكمة قد يجد السودان طريقه إلى دولة يحتكم فيها الجميع إلى القانون ويتساوون أمامه وتظل فيها السماء مفتوحة للجميع دون أن يحجبها أحد عن غيره.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!