
فاطمة لقاوة.
لم يعد ممكناً إخفاء الحقيقة خلف شعارات “العمل المدني” و”الحياد الإنساني”، فالحرب الطويلة التي مزقت السودان لم تسقط فقط الأقنعة السياسية، بل عرّت كذلك وجوهاً ظلت لسنوات تتخفى خلف لافتات النسوية وحقوق الإنسان، بينما تمارس في الخفاء أخطر أدوار التحريض والتجييش لصالح الدولة المركزية القديمة وأذرعها الاستخباراتية.
التسريب الأخير من داخل مجموعة “منسم” النسوية لم يكن مجرد زلة لسان عابرة، بل كان لحظة انكشاف كاملة، عندما خرجت أحلام ناصر مطالبة بتصنيف قوات الدعم السريع “جماعة إرهابية”، فهي لم تعبّر عن “رأي شخصي” كما قد يحاول البعض التبرير، بل كشفت بوضوح موقعها السياسي الحقيقي، وإنحيازها الكامل لمعسكر الحرب في بورتسودان.
هذه اللغة ليست لغة ناشطة تؤمن بالحوار، ولا خطاب شخصية تعمل في ملف “إنساني”، بل خطاب تعبوي إقصائي ينسجم تماماً مع إستراتيجية شيطنة الخصوم وتبرير إستمرار الحرب،فمن يطالب داخل الغرف المُغلقة بتصنيفات إرهابية، لا يمكنه في العلن أن يرتدي ثوب الوسيط المحايد أو المنسق الإنساني.
في ذات الوحل النتِن تقف هالة الكارب، التي طالما قدمت نفسها كصوت نسوي مستقل، فقد تحولت مع الوقت إلى جزء من ماكينة سياسية إستخبارتية ناعمة تُستخدم لإعادة إنتاج خطاب المركز القديم بواجهة حقوقية،فبدلاً من الإنحياز لمعاناة النساء السودانيات في كل مناطق الحرب بلا إنتقائية، إنخرطت في صناعة سردية أحادية تخدم طرفاً سياسياً وعسكرياً بعينه،
وتُقصي أي رواية لا تمر عبر بوابة بورتسودان.
أخطر ما فعلته هذه النخب ليس مجرد الإنحياز السياسي الجهوي المناطقي المربوط بالإمتيازات و المصالخ، بل محاولة إحتكار تمثيل النساء السودانيات أمام المجتمع الدولي، وكأن ملايين النساء في دارفور وكردفان والخرطوم لا يملكن حق التعبير عن رؤيتهن المختلفة للحرب والسلام.
لقد تصرفت هذه المجموعات بإعتبارها “وكيلة حصرية” للمرأة السودانية، بينما هي في الحقيقة تمثل طبقة نخبوية مرتبطة بعقيدة الدولة المركزية ومصالحها القديمة.
اليوم، وبعد التحولات العسكرية والسياسية الكبرى، بات واضحاً أن مشروع التدجين السياسي الذي قادته هذه الواجهات قد فشل،فالقوى التي راهنت على العزل والتجريم والتشويه الإعلامي فوجئت بواقع جديد يتشكل على الأرض، وبتمدد سياسي وإجتماعي لا يمكن محاصرته بالشعارات أو تقارير المنظمات.
أحلام ناصر وهالة الكارب لا تواجهان اليوم أزمة “سوء فهم”، بل أزمة مصداقية حقيقية،فكل خطاباتهن التي بُنيت لسنوات حول الحياد والسلام والعدالة، إنهارت اليوم أمام تعليق واحد كشف ما كان يُدار خلف الستار: عداء سياسي صريح، ورغبة واضحة في إستخدام المنصات الحقوقية كسلاح ضمن معركة الإستقطاب الحاد المُمارس و مصروف عليه ببزخ.
لهذا، فإن على المنظمات الدولية والإقليمية أن تعيد النظر بجدية في الوجوه التي تقدم نفسها كوسطاء أو ممثلات للمجتمع المدني السوداني، لأن إستمرار تدوير ذات الأسماء المؤدلجة والمنحازة لن يقود إلى سلام، بل إلى إعادة إنتاج الأزمة نفسها بواجهة أكثر نعومة وخداعاً.
لقد انتهى زمن الأقنعة، وما كان يُقال همساً داخل المجموعات المغلقة صار اليوم شاهداً علنياً على سقوط خطاب “الحياد” وسقوط من ادّعوه.
ولنا عودة بإذن الله




