
عدنان إبراهيم عيسى
إن المشهد الذي تابعته الجماهير حول مناشدة أسرة العميد المنشق عن قوات الدعم السريع إلى رئيس المجلس الرئاسي، وما تبع ذلك من استجابة سريعة وإنسانية، لم يكن مجرد حادثة عابرة أو موقف بروتوكولي محدود، بل رسالة سياسية وأخلاقية عميقة تؤكد طبيعة المشروع الذي تسعى حكومة الوحدة والسلام إلى ترسيخه في واقع السودان الجديد.
لقد أثبتت هذه الحادثة أن الدولة التي يجري تأسيسها اليوم لا تنطلق من منطق الانتقام أو تصفية الحسابات أو معاقبة الأسر بجريرة الأفراد، وإنما تنطلق من مفهوم الدولة المسؤولة التي ترى الإنسان قيمة عليا تستحق الحماية والرعاية مهما كانت التعقيدات السياسية والعسكرية المحيطة بالمشهد. وهذا في حد ذاته يمثل تحولاً كبيراً مقارنةً بالممارسات القديمة التي ظلت لعقود طويلة تستخدم التخوين والإقصاء والعقوبات الجماعية كوسائل لإدارة الدولة والسيطرة على المجتمع.
إن سلطة بورتسودان، ومنذ اندلاع الأزمة، ظلت تعتمد على خطاب يقوم على إثارة الكراهية والتقسيم الجغرافي والعنصري، حتى أصبح الانتماء المناطقي لدى البعض تهمة جاهزة تستخدم للتحريض والتشويه وتلفيق الاتهامات. وقد رأى السودانيون كيف تم استغلال الإعلام الرسمي والمنصات المرتبطة بالسلطة في بث روح العداء بين أبناء الوطن الواحد، بدلاً من معالجة جذور الأزمة الوطنية بروح مسؤولة وعادلة.
وفي مقابل هذا النهج، تظهر حكومة الوحدة والسلام باعتبارها مشروعاً مختلفاً يحاول إعادة تعريف العلاقة بين الدولة والمواطن. فالدولة لا يجب أن تكون أداة للقمع أو الانتقام، وإنما مؤسسة لحماية المجتمع وضمان كرامة الناس وتحقيق العدالة الاجتماعية والسياسية. ومن هنا جاءت الاستجابة السريعة لمناشدة الأسرة، باعتبارها واجباً أخلاقياً وإنسانياً قبل أن تكون موقفاً سياسياً.
إن أكثر ما يلفت الانتباه في هذا المشهد هو أن الرعاية والاهتمام لم تتوقف عند حدود المؤيدين أو المنتمين للمشروع السياسي، بل امتدت حتى إلى أبناء الذين اختاروا الاصطفاف مع الطرف الآخر أو الذين باعوا القضية الوطنية وارتموا في أحضان قوى الإرهاب والاستبداد. وهذه النقطة تحديداً تعكس الفارق الجوهري بين مشروع يريد بناء وطن للجميع، ومشروع آخر يقوم على الإقصاء والانتقام وإدارة الدولة بعقلية الثأر.
فالدول العظيمة لا تُقاس فقط بقوتها العسكرية أو نفوذها السياسي، وإنما بقدرتها على حماية النسيج الاجتماعي ومنع الانهيار الأخلاقي أثناء الأزمات. وكلما ارتفعت وتيرة الحرب والانقسام، تصبح الحاجة أكبر إلى خطاب يعزز قيم التسامح والعدالة والمسؤولية الوطنية، لا خطاب يؤجج الأحقاد ويعمق الجراح.
لقد أدركت الشعوب عبر تجارب التاريخ أن الأنظمة التي تعتمد على المكر والخداع والتخويف لا تستطيع صناعة استقرار دائم، لأن القمع لا يبني أوطاناً، والكراهية لا تؤسس سلاماً حقيقياً. أما المشاريع التي تضع الإنسان في مقدمة أولوياتها، فهي وحدها القادرة على كسب ثقة الجماهير وخلق بيئة مناسبة للتعايش وإعادة بناء الدولة على أسس جديدة.
إن السودان اليوم يقف أمام لحظة فارقة، لحظة تتطلب من الجميع إعادة التفكير في شكل الدولة التي يريدونها للأجيال القادمة. دولة تقوم على العدالة والمواطنة واحترام الإنسان، أم دولة تعيد إنتاج ذات الأزمات التاريخية القائمة على التهميش والاستعلاء والإقصاء؟
ولهذا فإن التماسك الشعبي والاجتماعي حول مشروع السلام والوحدة يمثل ضرورة وطنية كبرى، لأن المعركة الحقيقية ليست فقط معركة عسكرية أو سياسية، وإنما معركة وعي وبناء قيم جديدة قادرة على تحرير الإنسان السوداني من إرث الانقسام والكراهية الذي لازم البلاد لعقود طويلة.
ورغم كل محاولات المكر والتضليل وبث الفتن، يظل الشعب أكثر قدرة على التمييز بين من يسعى لبناء وطن يتسع للجميع، ومن يحاول استخدام الخوف والانقسام للبقاء في السلطة. فالأوطان لا تُبنى بالمؤامرات ولا بالعنصرية ولا بتخوين الناس، وإنما تُبنى بالإرادة الجماعية والعدالة واحترام كرامة الإنسان.
ولهذا سيظل المتماسكون حول مشروع السلام والوحدة أكثر إيماناً بأن المستقبل لا تصنعه أصوات الكراهية، بل تصنعه إرادة الشعوب التي قررت أن تتجاوز جراح الماضي نحو وطن جديد يسوده الأمن والمحبة



