رأي

الإسلامويون بين إعادة التمركز وخطر التفتيت: دعوةٌ صريحة لمن يقف ضد التمييز أن يعلن موقفه

عبدالرحمن العمرابي

 

عبدالرحمن العمرابي 

عضو مؤسس في تحالف تاسيس

عضو تجمع السودانيين المستقلين

ما حدث في السودان خلال السنوات الأخيرة ليس مجرد صراع على السلطة أو تنازعًا بين ميليشيات وقيادات عسكرية؛ هو أيضاً مناورة تاريخية تقودها قوى فكرية وسياسية لم تستسلم لدرس الثورة ولا لرفض الشارع لها. بعد أن لفظت الثورة الإسلامويين سياسياً واجتماعياً، وبعد أن تبددت أحلامهم بالعودة إلى الحداثة التي حكموا بها البلاد لعقود، وجدوا في تفكك المؤسسات وتراجع الشرعية فرصة لإعادة التمركز عبر أدوات جديدة: تحويل وجهة الخصومة من صراعٍ بين الشعب ومشروعٍ إسلاموي واضح، إلى صراعٍ إثني وجهوي يخيف الناس ويفرّقهم عن أهدافهم الوطنية.

الإسلامويون لم يختفوا. تقارير وتحليلات عديدة ربطت وجودهم بنفوذٍ مخفي داخل بعض أركان الصراع، وحذّرت من محاولات استثمار الفراغ السياسي لإعادة نسج روابطهم مع مؤسسات السلطة والأمن. هذه العودة ليست عفوية؛ بل هي جزء من إستراتيجيا أوسع تتقاطع فيها مصالح قديمة مع مصالح جديدة، وتستفيد فيها الشبكات الأيديولوجية من انشقاقات حركات مسلحة وتحالفات متقلبة داخل المؤسسة العسكرية والهيئات شبه العسكرية.

ما جرى هو تحويل بذكاءٍ وحرفية لخطاب الثورة. بينما كان من المفترض أن يظل الشعار الجماهيري موجهاً ضد نماذج الحكم التي جربناها وفشلت (“كل كوز ندوسه دوس”)، عملت ماكينة التوظيف الأيديولوجي على تشتيت البوصلة: من إقناع الناس بأن المشكلة «مركز وهامش» أو «شريط نيلي» بدلاً من أن تكون مشكلة مشروعٍ أيديولوجي استأثر بالسلطة والمقدرات. النتيجة: تحول النقاش العام من مواجهة أيديولوجية وسياسية واضحة إلى معارك هوية وإقليمية تبدو، ظاهرياً، أقرب إلى الشحن العرقي منها إلى الصراع على السلطة الحقيقية. هذا التحول لم يظهر فجأة، بل استند إلى سرديات متجددة تسعى لتطييف التباينات الاقتصادية والاجتماعية، وتحويلها إلى أحقاد تتغذى عليها سياسات التقسيم يقودها من كان يعادي الدعم السريع وقيادته في السابق ليقدموا انفسهم كقيادات فكريه لمشروع السودان الجديد.

في دارفور، على سبيل المثال، أعيد استدعاء ذكريات الجراح والإرهاب لتغذية خطابٍ يسهل فرض خيارات تقسيمية لاحقاً. استدعاء مفردات مثل “الزرقة” و”الجنجويد” وتحويلها إلى مفاتيح تفسيرية لواقع معقد يسهل معه رسم خرائط جديدة للولاء والطموح، كلها إجراءات ممنهجة تهدف إلى خلق مطلب انفصال شعبي أو على الأقل بيئة قابلة للتفتيت. وقد رصدت منظمات حقوقية وتحقيقات ميدانية العديد من الانتهاكات وآثار العنف الإثني كجزء من هذا السياق المظلم وعظمت وقعه مما أضعف زورا وبهتانا موقف تحالف تاسيس وما نتج عنه من تحول تاريخي .

وسط هذا كله تبرز أهمية قراءة موقف قوات الدعم السريع بشفافية ونزاهة. من جانبها أعلنت قياداتها بجلاء أكثر من مرة رفض التمييز العرقي والجهوي، وكرّست خطابات رسمية ضد خطابات التمييز العنصري. لكن التحدي الحقيقي يكمن في قدرة المؤسسة على تطهير صفوفها من المندسين والمنافقين الذين يستغلون غلبة الفوضى لصالح أجنداتٍ قديمة او عماله لقوي اجنبيه. هذا الاختراق لا يلصق بالضرورة بالهيكل الرسمي للدعم السريع كاملاً، لكنه يفرض على كل من يؤمن بسلامة البلاد أن يساهم في قلب صفحة هذا الادعاء عبر إفشاء الحقائق ومحاسبة المتورطين.

وأنا أدعو هنا صراحة، وبأشد العبارات: كل من يعلن أنه ضد العنصرية والتمييز الإثني والجهوي، سواء كانوا مثقفين، إعلاميين، سياسيين أو ناشطين مجتمع مدني — مطلوب منهم أن يتحدثوا بصوتٍ واضح الآن. الصمت ليس حيادًا؛ الصمت تواطؤ. السكوت يسهّل على من يريدون إشعال الفتنة أن يجعلوا من أصوات الحق هامشاً. إن الإفصاح عن المواقف ليس رفاهية نظرية، بل هو فعل وطني عملي يمكن أن يقوّي حواجز المجتمع أمام محاولات التفتيت ومن يصمت الآن فهو ساكت عن الق وليس الا شيطان اخرس.

إن مراجعة شريط الذاكرة السياسي والعملي ستكون بمثابة غربالٍ حاسم: ستنكشف مواقف الناس والقيادات السابقه وتؤكد شكوك الحاضر، وستظهر الحقيقة — الصالح من العدو، والواعي من المستفيد، والوطني من العابث. هذه ليست عملية انتقام، بل اختبارٌ للضمير والالتزام بالمشروع الوطني الذي نؤمن به: السودان موحد، مدني، ديمقراطي، لا يمكن أن يُبنى إلا بمشاركة الجميع وليستورده أحد عبر منابر الكراهية والتقسيم مع الاعتراف بالمظالم واقرار مبداء المحاسبه وجبر الضرر لا خلق ضحايا جدد وتحويل المظلم الي ظالم ليظلم مظلوم اخر فيبراء خنجر القاتل لتنشق جثه المقتول.

الخطر حقيقي: مشروع السودان الجديد في خطر إذا بقيت القيادات منشغلة بإدارة الحرب وحدها، بينما تترك ساحة التعبئة الفكرية والاجتماعية خالية لمن يريدون زرع الفتن. الحلّ ليس في الصمت أو المهادنة، بل في مواجهة الخطاب الباطل بالحقيقة، ومساءلة المندسين والمستفيدين من العنف الفكري والمادي.

أدعو مرة أخرى كل صاحب موقفٍ واضح ضد التمييز بكافة أشكاله أن يعلنه الآن. إن لم تفعلوا فالصمت سيُحسب عليكم. وإن تحدثتم فستكونون جزءاً من جبهةٍ وطنية تحمي السودان وشعوبه من أن يعود إلى أمسٍ كئيب، ومن أن يسمح لمن كان يوماً سبباً في الأزمة أن يصبح غداً مدّعياً للحل. لا تقعوا في شرك أم زيدون فالفكاك منه أصعب من تلافيه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!