رأي

صمت الانفضاض: عندما يصبح الاستخفاف دستوراً للإدارة

زينب حسن سعيد

 

​ زينب حسن سعيد

​في أروقة بعض المؤسسات، يخيم هدوء خادع يُظن خطأً أنه دليل على الانضباط وفرض الهيبة، بينما هو في الحقيقة صمت الانفضاض والتراجع. فالإدارة في جوهرها هي فن صناعة الأثر واستثمار العقول، وحين تنحرف عن هذا المسار لتتخذ من التعالي منهجاً، تتحول إلى أداة للهدم البطيء الذي يفتت نسيج العمل ويدفع الكفاءات للنفور. ولأن القيادة تفقد شرعيتها حين تفقد إنسانيتها، فقد جاء المنهج القرآني ليحسم جذور هذه الأزمة الإدارية، ويلخص أعظم نظريات القيادة والمأسسة في قاعدة ذهبية تُحذر من عواقب الغلظة والاستخفاف: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾، واضعاً بذلك الخط الفاصل بين القيادة الملهمة التي تبني، والتسلط الذي يرتدي قناع الحزم ليدمر.

​متلازمة “الضبابية” وصناعة الفراغ

​هناك نمط من القيادة يعتقد أن الغموض هو مصدر القوة، وأن إبقاء الرؤية ضبابية والقرارات متأرجحة يضمن له التفرد والسيطرة. هذه الإدارات تتغذى على الاستخفاف بالكفاءات، ظناً منها أن التعالي يحمي مركزها ويثبت تفوقها. لكن النتيجة الحتمية لهذا النهج هي تفريغ المنظومة من محتواها؛ فالكفاءات الحقيقية والكوادر المهنية لا تنمو في بيئة لا تحترم العقل، بل تختار “الاستقالة النفسية” أو الانسحاب الصامت. هكذا تجد هذه الإدارات نفسها في النهاية تقود هياكل تنظيمية خاوية، لا تملك من العمليات المؤسسية سوى الحبر على الورق.

​”هياكل الظل” واغتيال الشفافية

​وهذا الفراغ التنظيمي الذي تخلقه الضبابية لا يبقى خاوياً، بل تسارع الإدارة لملئه بما يمكن تسميته بـ “هياكل الظل”؛ وهي مراكز قوى غير معلنة تدير المشهد من الغرف المغلقة، وتمرر قراراتها بعيداً عن أعين الرقابة وصلاحيات اللجان الرسمية. فحين يغيب مبدأ ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾، يُستبدل العمل المؤسسي الرصين بردود أفعال مزاجية، وتصبح الأوامر الشفوية العشوائية بديلاً عن المأسسة والتوثيق. هذه الضبابية المتعمدة لا تعكس دهاءً إدارياً، بل تخفي عجزاً عن المواجهة المهنية المفتوحة، وتخلق ثقافة التهرب من المسؤولية وإلقاء اللوم على الآخرين عند أول إخفاق.

​المأسسة كجدار صد أخير

​وأمام هذا التغول الإداري واختطاف القرار، يثبت التاريخ المؤسسي دائماً أن غلظة القلب والاستبداد بالرأي ينكسران في النهاية أمام قوة “المأسسة”. اللجان التي تتمسك باختصاصاتها وتتصدى للاستخفاف، والكوادر التي تحرص على توثيق كل خطوة وتحويل التوجيهات إلى مسارات عمل مكتوبة ومحاضر رسمية، تبني جداراً من الشفافية يحجم هذا التفرد. العمل الجاد يعتمد على المواجهة المهنية وتطبيق المعايير الصارمة؛ فهذا التماسك المنهجي ووحدة الصف بين الزملاء هو ما يفكك المركزية القاتلة، ويُعيد للمؤسسة توازنها، ويجبر الإدارة على احترام العقول التي تسير عجلة العمل.

​القيادة إرث.. وليست سطوة

​في النهاية، يجب أن تدرك هذه الإدارات أن القيادة ليست منصة للاستعراض، بل هي مسؤولية جسيمة تتطلب الحزم في القرار بعد استيفاء الشورى ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ﴾، واللين في احتواء طاقات الفريق. القائد الذي يتبنى التعالي منهجاً قد يكسب رهبة لحظية، لكنه يخسر ولاء العقول وثقة فريقه، ليجد نفسه وحيداً في مواجهة الأزمات. فالمؤسسات لا تُبنى بالاستخفاف، والإرث الحقيقي لا يُكتب بغلظة القلب، بل يخلده الأثر الطيب، والعمل المؤسسي الرصين الذي يبقى شامخاً حتى بعد زوال المناصب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!