
مهدي عبدالله حامد
مما لا شك فيه، إنَّ اللحظات التاريخية الحرجة التي تمر بالأوطان تصبح فيها كافة التحركات السيِّاسيِّة تحت مجهر المراقبة من أجل معرفة دوافعها الحقيقية، وهذا الأمر ينطبق تمامًا في الإعلان المثير الذي أطلقه “تحالف صمود” في توقيت أثار جملة من التساؤلات حول ما هية هذه الخطوة وتوقيتها الهادف إلي تسويق الوجوه القديمة والخيارات السياسية السابقة لجهة تقديمها في قوالب جديدة، بهدف التموقع وحجز مقاعد أمامية في قاطرة المستقبل دون تقديم ضريبة أو دفع فاتورة ثمن النضال، بيد أن القراءة الفاحصة لمتغيرات الوضع الراهن لا تستقيم دون الغوص والخوض عميقًا في تفكيك بنية العقل النخبوي الإقصائي، ومن المسلم به إنَّ الأزمات الكبرى التي تعصف بالأمم “تمايز الصفوف” وتشكل المصفاة الحقيقية للنوايا والمسارات، فحقًا إنَّ المحك الراهن الذي يمر به السُّودان قد أسقط آخر أقنعة النخبوية المأزومة التي أدمنت العيش على رفاهية الامتيازات التاريخية، ومما لا شك فيه أن المحاولات المستميتة لإعادة إنتاج دولة 1956م بكل عيوبها البنيوية وتشوهاتها الإقصائية تتجسد اليوم في مسلك ما يُسمى بـ “تحالف صمود” هذا الكيان الذي يحاول مستميتا تغيير جلده السياسي، كمن يظن أن الأفعى يمكن أن تبدل سمّها بتبديل العواصم التي تنفث فيها خططها.
صدقا، إن جينات الهيمنة الصفوية والانتهازية السيَّاسيَّة لا تموت في عروق السُّودان القديم الذي يعشق تدوير النفايات وتكرار الوجوه الكالحة، على الرغم من أن المتغيرات الراهنة تؤكد أن عودة عقارب الساعة إلى الوراء غير ممكنا، ومحاولات الرجوع إلى ما قبل الخامس عشر من أبريل باتت من مستحيلات التاريخ، نظرًا لجسامة الفاتورة الباهظة والأرواح العزيزة والدماء الغالية التي سُفكت لأجل أن تكون هي المهر الحقيقي لتأسيس سودان جديد يتجاوز الأطر الضيقة والمحاصصات النخبوية الصبيانية، فـ هنالك تحولات جوهرية حدثت في العمق ومعادلات جديدة فرضت في جوهر الواقع فلا يمكن تجاوزها مهما كانت المبررات الحالمة والطامحة.
الخيارات الصفرية والفرز التاريخي
حقًا، لقد انكشف المغطى ولم يعد هناك متسع للمواقف الرمادية أو مساحات لممارسة الرقص على حبال التوازنات الهشة، الأمر الذي يؤدي بالضرورة إلى وضع “تحالف صمود” أمام خيارين لا ثالث لهما إما الاستفاقة والانضمام إلى تحالف التأسيس العريض أو أن تذهب صمود مباشرة إلى معسكر “بلابسة بورتسودان” حيث يقبع السودان القديم بفساده واستبداده وهياكله المتآكلة، لتكتمل هناك فصول المسرحية الهزلية لتدوير النفايات، ولعله من نافلة القول إن المحاولة الراهنة للاستمرار في الاستغفال النخبوي تعد انتحارًا سياسيًا، بما أن القوى التي تصنع المستقبل الآن تجاوزت جغرافية النفوذ التقليدية الممتدة من الخرطوم إلى الشريط النيلي لتشمل كل شبر من أرض السودان الثائرة خلافا لما تعتقده نخبة الصالونات، فإن الجماهير التي عانت الويلات أصبحت تملك حاسة فرز حادة، تميز بها بين من يحمل هموم التأسيس الحقيقي ومن يسعى ريثما تتاح له الفرصة للانقضاض على السلطة عبر محاصصة جديدة، وبالتالي فإن أي خطوة في اتجاه إعادة إنتاج الماضي ستواجه برفض شعبي حاسم وعمل ثوري جارف.
إرث المحاصصة والشللية في ذاكرة الشعب
تجدر الإشارة إلى أن التجربة المريرة التي عاشها الشعب السُّوداني إبّان حكومة حمدوك لا تزال عالقة في الذاكرة الجمعية كوشم من الخيبة، حيث سادت المحاصصات الحزبية الضيقة والشلليات المقيتة، وانفردت مجموعة “سبعة طويلة” بالتعيينات في مفاصل الدولة في مشهد من الانفراد والاستئثار بالسلطة والثروة، فلا ريب أن تلك الحقبة شهدت تجميد المجلس التشريعي عن عمد، في مسعى واضح لتغييب الرقابة الشعبية وحصر صناعة القرار في غرف مغلقة، إلا أن هذا السلوك النخبوي قاد بالضرورة إلى إضعاف الحاضنة السياسية وتعبيد الطريق أمام الانهيار، وبما أن “تحالف صمود” يمثل الامتداد الطبيعي لتلك الذهنية الاحتكارية، فإن ممارساته الراهنة ما هي إلا استمرار لنهج الاستهبال السياسي والاستغفال النخبوي الذي يرى السودان مجرد إقطاعية خاصة بالخرطوم والشريط النيلي، مستبعدا قضايا الهامش العريضة، ولئن كان الهدف المضمر من هذه التحركات هو تقويض ثورة التأسيس الجارية الآن، فإن الوعي الشعبي قد تجاوز هذه العقليات المتكلسة التي لم تتعلم شيئا من دروس الماضي القريب.
إعلان صمود بنيروبي، محاولة يائسة لتقويض التأسيس
كما لو أن التاريخ يمكن صياغته في قاعات الفنادق الفاخرة، أتى توقيت إعلان نيروبي الأخير كتظاهرة سياسية بائسة بلا أثر حقيقي على الأرض، يراد بها يائسًا تقويض عملية التأسيس الشاملة الجارية الآن تحت أزيز الرصاص وصمود الشرفاء، فإن الواقع الجديد الذي تشكل في السودان قد فرض معادلات جديدة كليا، متجاوزا الأحزاب الصورية والقوى المجهرية الصغيرة التي لا لافتات لها سوى في وسائل الإعلام وفي حقائب مبعوثي العواصم الأجنبية، بمثل ما تهاوت عروش الديكتاتورية، تتهاوى اليوم أوهام الاستهبال النخبوي أمام إرادة التغيير الجذري، إذ أن قوى الوجع السوداني الحقيقية والتي تمثل غالبية القوى الوطنية والثورية الحية ركيزتها الأساسية، هي التي أنشأت تحالف التأسيس وتقوده الآن بوعي ومسؤولية، قطعا، لن يسمح أصحاب الوجع الحقيقي، الذين دفعوا فاتورة الحرب والنزوح، بأن يتم تدوير النفايات السياسية مرة أخرى، أو أن يسرق “تحالف صمود” تضحياتهم لإعادة إنتاج دولة التمكين والامتيازات القديمة.
مرتكزات الخلاص الوطني
إن قضايا الحل الجذري لإنهاء الحرب الدائرة الآن وإعادة بناء الدولة السودانية محددة بوضوح وهي رفض أي تسويات على أن يكون التأسيس الكامل من خلال علمانية الدولة، الفدرالية الحقيقية، والمبادئ فوق الدستورية، ودستور جمهورية السودان لسنة 2025م والإطار الدستوري الذي يمثل المرجعية القانونية والسياسية لبناء مؤسسات مدنية انتقالية تقود البلاد نحو الديمقراطية المستدامة وهي حكومة السلام الإنتقالية، تكوين الجيش الوطني القومي المهني الجديد وأي حديث دون ذلك يعتبر مضيعة للوقت وعلاقات عامة.
وعليه، يمكن القول بثقة إن محاولة “تحالف صمود” لحفظ الامتياز التاريخي عبر تقويض ثورة التأسيس قد باءت بالفشل الأخلاقي والسياسي قبل أن تبدأ، فالسودان الجديد يتخلق اليوم بوعي مغاير ودماء غالية لا تقبل المساومة، فلا ريب أن الحكمة السياسية تقتضي الإدراك بأن القطار قد غادر محطة المساومات الفوقية، وأن “من جرب المجرب حاق به الندم” وتدوير النفايات لن ينتج إلا بيئة سياسية موبوءة بالازمات، إلا أن الدرس الأكبر من تجربة الإطاري وما تلاها هو أن الإرادة الوطنية الخالصة هي وحدها القادرة على صياغة معادلة الحكم العادل، بعيدا عن شلليات “سبعة طويلة” وانفرادها بالتعيينات القائمة على المحسوبية، ولعل التاريخ يسجل اليوم بأحرف من نور أن زمن الاستهبال النخبوي قد ولى بلا رجعة، وأن القوى الحية التي تقود تحالف التأسيس هي الضمانة الوحيدة لعدم سرقة تضحيات الشعوب السودانية العظيمة، لإعادة بناء دولة المواطنة المتساوية التي تتسع للجميع دون إقصاء أو امتياز.




