رأي

حركتا الثورة الثانية ووحدة جوبا تعيدان التشكيل

عبد الرحمن ابورندة

 

عبد الرحمن ابورندة

 

الأمم التي تعرف كيف تعيد تنظيم قوتها، تعرف كيف تصنع مستقبلها

في خضم المشهد السوداني المضطرب، حيث تتداخل خطوط الحرب مع تعقيدات السياسة، برز الحراك التنظيمي والعسكري داخل حركتي تحرير السودان – الثورة الثانية بقيادة الكمرد أبو القاسم إمام الحاج، وحركة تحرير السودان – وحدة جوبا بقيادة الرفيق الكمرد أحمد عبد الشافي “توبا”، باعتباره واحداً من أكثر التطورات لفتاً للانتباه داخل الساحة العسكرية والسياسية السودانية.

ما يجري اليوم لا يمكن النظر إليه باعتباره مجرد تعيينات عسكرية أو ترتيبات إدارية عابرة، بل هو مشروع متكامل لإعادة بناء مؤسسات العمل العسكري والسياسي وفق رؤية جديدة أكثر انضباطاً واحترافية، تستجيب لتعقيدات المرحلة المقبلة وتحدياتها الكبيرة.

لقد أدركت الحركتان، بوضوح، أن المعارك الحديثة لا تُدار فقط بالبندقية، وإنما بالعقل التنظيمي، والانضباط المؤسسي، والقدرة على توحيد القيادة والخطاب والرؤية. ومن هنا جاءت خطوات إعادة الهيكلة والترتيبات العسكرية والإعلامية باعتبارها ضرورة استراتيجية، لا مجرد ترف تنظيمي.

ويحمل الدفع بمتحرك “الأسود الغاضبة” دلالات عميقة تتجاوز البعد العسكري المباشر، فهو يعكس حالة تعبئة واستعداد داخل القوات، ويؤكد أن الحركتين باتتا تتحركان بعقلية أكثر تنظيماً وثقة، خصوصاً مع دخول الحرب السودانية مرحلة أكثر تعقيداً وتشابكاً.

كما أن الحراك الأخير يكشف عن وجود إرادة حقيقية لبناء قوة عسكرية ذات طابع مؤسسي حديث، تقوم على توزيع الأدوار ورفع الكفاءة والانضباط، بعيداً عن العشوائية التي ظلت سمة ملازمة لكثير من التشكيلات المسلحة في السودان خلال العقود الماضية.

ومن اللافت أيضاً أن هذا الحراك جاء متزامناً مع خطاب سياسي أكثر وضوحاً وجرأة، يتحدث عن دولة المواطنة والجيش القومي وإعادة تعريف السودان على أسس جديدة وعادلة. وهي مفاهيم ظلت لسنوات طويلة مجرد شعارات ترفعها القوى السياسية، لكنها اليوم تجد نفسها مرتبطة بحراك ميداني وتنظيمي فعلي تقوده قيادات الحركتين.

إن إشادة الكثيرين بهذه التحركات لا تنبع فقط من طبيعتها العسكرية، بل من كونها تعكس محاولة جادة للخروج من حالة الجمود والتشظي التي أنهكت الساحة السودانية. فإعادة ترتيب الصفوف وبناء مؤسسات قوية ومنظمة يظل شرطاً أساسياً لأي مشروع يسعى لتغيير واقع السودان المضطرب.

ولا شك أن الطريق لا يزال طويلاً ومعقداً، لكن ما يحدث داخل حركتي “الثورة الثانية” و”وحدة جوبا” يشير إلى أن هناك قوى بدأت تتعامل مع المستقبل بعقلية الدولة، لا بعقلية الفصيل المؤقت. وهذا في حد ذاته تطور مهم في سياق الأزمة السودانية.

إن الحراك الذي تقوده الحركتان يمثل رسالة واضحة بأن مرحلة جديدة تتشكل في السودان، عنوانها التنظيم، والانضباط، والاستعداد لمعركة سياسية وعسكرية يُراد لها – بحسب قادة الحركتين – أن تفضي إلى سودان مختلف، تُعاد فيه صياغة الدولة على أسس أكثر عدلاً واستدامة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!