رأي

النخب السودانية المأزومة 

حسن النعمان

 

 حسن النعمان

ليست أزمة السودان في الحرب وحدها، ولا في الانقلابات المتكررة، ولا حتى في التدخلات الخارجية التي تتكاثر فوق جسد هذا الوطن المنهك، بل إن أصل الداء يكمن في تلك النخب السياسية التي كلما ظهرت أزمة، بدل أن تبحث عن حلٍ حقيقي، ذهبت لصناعة أزمةٍ موازية، أو كتلةٍ جديدة، أو إعلانٍ جديد، أو منصةٍ أخرى تدّعي أنها وحدها تملك مفاتيح الخلاص. وكأن السياسة السودانية تحولت إلى سوقٍ مفتوح للادعاءات، لا إلى مشروع وطني يُبنى على التراكم والتجربة والنقد والمراجعة.

إن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم: ما الذي أصاب العقل السياسي السوداني؟

هل هي علةٌ متجذرة في مخيلة السياسي السوداني الذي لا يستطيع العمل إلا إذا كان هو الواجهة والصوت الأعلى؟ أم أنهم مجرد أدوات تحركها جهات أخرى، تخشى أي مشروع حقيقي يعيد تشكيل السودان خارج إرث دولة 56؟ أم أن الأنانية السياسية وحب الأنا قد بلغ مرحلة المرض المزمن؛ مرحلة “أنا من فعلت، وأنا من يجب أن يُسمع، وأنا من يجب أن يُفرض على الناس”؟

ما يحدث اليوم ليس جديداً، بل هو إعادة إنتاج لنفس السيناريوهات القديمة التي أهلكت البلاد منذ الاستقلال. نفس العقلية التي كانت تدير خلافات الصادق المهدي والميرغني، هي ذاتها التي تعود اليوم بثيابٍ مختلفة وشعاراتٍ جديدة. كلما اقترب السودانيون من مشروع يمكن أن يؤسس لدولة مختلفة، خرجت النخب القديمة أو من يحملون جيناتها السياسية لتمزيق الطريق، والذهاب عكس التيار، ثم تقديم أنفسهم باعتبارهم “حكماء المرحلة”.

أليس حمدوك ومن معه اليوم هم أنفسهم الذين كانوا بالأمس في ذات الطاولة؟

أليس الشباب الذين سقطوا بعد 15 أبريل، وقبلها منذ ديسمبر، هم الذين منحوا تلك القيادات الشرعية الأخلاقية والسياسية؟

لكن ماذا فعلت تلك القيادات حين جاءت لحظة القرار الشجاع؟

ارتبكت، خافت، تراجعت، وتركت الشعب وحيداً في مواجهة الموت، بينما انشغلت هي بالموازنات الدولية والحسابات الباردة والبحث عن رضا الخارج.

وحين ظهر مشروع “تأسيس”، وهو مشروع وجد قبولاً واسعاً حتى من خصومه، لماذا لم يتجه الجميع لتطويره والبناء عليه؟ لماذا يسارع البعض دائماً إلى صناعة جسمٍ موازٍ وإعلان مبادئ جديد ومؤتمر جديد؟

الإجابة واضحة: لأن بعض النخب لا تريد نجاح أي مشروع لا يحمل توقيعها الشخصي، حتى وإن كان المشروع يخدم الوطن. فالمسألة عندهم ليست قضية شعب، بل قضية أضواء ومواقع وأسماء تتصدر المشهد.

إن القوى التي ظهرت في نيروبي ليست بعيدة عن هذا السياق، بل تبدو امتداداً لذات الآلية القديمة التي ظلت تعرقل أي تحول حقيقي يمنح الهامش حقوقه التاريخية. نفس الذهنية التي تخاف من السودان الجديد، وتريد إعادة إنتاج المركز ولو بشعارات مختلفة. ولهذا لا غرابة أن نرى أشخاصاً قضوا أربعين عاماً يتحدثون عن الظلم والتهميش، لكنهم عند أول فرصة حقيقية للتغيير يفشلون في تحقيق التوازن، أو يتراجعون أمام الحسابات الضيقة.

ياسر عرمان، وغيره كثيرون، قضوا أعمارهم في الحديث عن بطش الحركة الإسلامية وعن ظلم المؤسسة العسكرية، لكن حين جاءت اللحظة التي يمكن أن يكتبوا فيها تاريخاً مختلفاً، سقطوا في ذات الفخ القديم: فخ النخبة السودانية التي تجيد التنظير أكثر مما تجيد صناعة التحول الحقيقي.

إن مأساة السودان ليست فقط في الحكام، بل في النخب التي لم تصل بعد إلى مرحلة النضج الفكري والسياسي. نخبٌ ما زالت تتعامل مع الوطن كمعمل تجارب، والشعب كفئران تُقاد من مرحلة فشل إلى مرحلة فشل أكبر. ولهذا فإن أي مشروع لا ينطلق من دماء الضحايا الحقيقيين، ومن أصوات المهمشين والمكتوين بالحرب والتهميش، سيظل مشروعاً ناقصاً مهما زخرفوه بالشعارات.

ومن يمشي فوق دماء الشهداء طلباً للأضواء، أو يقفز من منصة إلى أخرى بحثاً عن بطولةٍ سياسية زائفة، فهو لا يحمل مشروع خلاص، بل يحمل استمرار الأزمة نفسها بوجهٍ جديد.

لقد تعب السودان من النخب التي لا تُنتج إلا العطب، لأن العقل المعطوب مهما ارتقى، لا يفرز إلا مزيداً من الخراب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!