
عباس أحمد السخي
لم تكن معركة بابنوسة حدثًا عابرًا في مجريات الحرب الدائرة في السودان؛ بل شكلت علامة فارقة ونقطة انعطاف حقيقية في مسار الصراع العسكري والسياسي، لِما حملته من دلالات تتجاوز حدود الجغرافيا، وتلامس جوهر الأزمة التي يعيشها جيش الإخوان المسلمين منذ سنوات. فالهزيمة التي مُني بها هذا الجيش في غرب كردفان لم تكن مجرد هزيمة ميدانية، بل انكسارًا عميقًا أفصح عن أزمة بنيوية، وانهيارًا أخلاقيًا وتنظيميًا ضرب صميم المؤسسة التي لطالما تغنّى هؤلاء بقوتها وقدرتها و”مشروعها الرسالي”.
بابنوسة، تلك المدينة التي يصفها أهلها بـ”القميرة” لجمالها وأصالتها وخصوصية أهلها، تحولت خلال الساعات الفاصلة بين الهجوم والانكسار إلى رمز لاستدارة موازين القوة. فالمواجهات كشفت هشاشة القوات الإخوانية، وانعدام الروح القتالية لديها، رغم ما ظل إعلامها الرسمي يشيعه عن “الثبات والتقدم على كل الجبهات”.
ما جرى هناك كان هزيمة ماحقة، وضربة محكمة لجيش ظل ينسحب من المدن واحدة تلو الأخرى: سنجة، ود مدني، والفاشر، وصولًا إلى بابنوسة. انسحاباتٌ تجعل المواطن هو الخاسر الأول فيها، بما يدفعه من أثمان الأرواح والنزوح وفقدان الممتلكات، بينما يتنقل قادة الجيش بين جبهات الإعلام وتصريحات النصر الوهمية.
على الجانب الآخر، سجلت قوات الدعم السريع في بابنوسة ملحمة أثبتت حضورًا واضحًا على الأرض. اندفع الشباب، كثير منهم في مقتبل العمر، نحو أسوار مواقع الفرقة دون تردد، مدفوعين بقناعة القتال المباشر وبثقة تخطت حسابات المكسب والخسارة. قاتلوا وهم يدركون أن الموت احتمالية قائمة، لكنهم تقدموا دون خوف، في مشهد سيظل حاضرًا في الذاكرة الجمعية للمدينة وللمشهد العسكري الأوسع.
لقد كان هجومهم منظّمًا، وسريعًا، ومتقدمًا في تكتيكاته مقارنةً بما اعتاده جيش الاخوان. وبذلك، استطاعوا تحرير أكبر مدينة في غرب كردفان، ما جعل الطريق نحو الأبيض مفتوحا على مصراعية، تلك المدينة التي يصفها أهل كردفان بأنها “أب قبة فحل الديوم”.
لكن الهزيمة المؤلمة لم تكن في سقوط المدينة، ولا في خسارة المواقع القتالية، بل في ذلك المشهد الذي سيظل وصمة لا تُمحى من تاريخ هذه الحرب: الهروب الليلي للجنرالين معاوية وحسن درمود، قادة الفرقة 22 مشاة، قبل ساعات من انهيار خطوطهم، تاركين جنودهم الذين أقسموا أمامهم بالثبات “حتى النصر أو الشهادة”.
تخلى القادة عن جنودهم، وغادروا في الظلام، بينما تُرك الجنود –خاصة ضباط الصف والرتب الوسيطة من مقدّم حتى ملازم– لمصير مجهول بين الأسر والموت. لم يكن ذلك مجرد تراجع تكتيكي، بل انهيار أخلاقي فادح، جسّد معنى الهزيمة في أقوى صورها؛ أن يفرّ القائد ويترك جنده. في الحروب، تُقاس الجيوش بأخلاق قادتها قبل رصاصها، وقد سقطت هذه الأخلاق في تلك الليلة سقوطًا مدويًا.
منذ اندلاع الحرب، ظل الجيش الحركة الإسلامية يعتمد تكتيكات تتكرر بصورة منهجية تتمثل في اتخاذ المدنيين دروعًا بشرية، التمترس داخل الأحياء، نقل الصراع إلى الأسواق والأماكن المزدحمة، تمامًا كما جرى في ود مدني وسنجة والفاشر. وهي تكتيكات تشير إلى فقدان الثقة بالنفس، وانعدام القدرة على المواجهة المباشرة.
لقد كشفت هزيمة بابنوسة زيف الخطاب الدعائي الذي ظل يروّج لانتصارات وهمية، فإذا بالواقع يكشف أن هذا الجيش لم يعد قادرًا على الصمود ساعة واحدة حين يجد نفسه أمام قوة منظمة تتحرك بديناميكية قتالية عالية.
الهزيمة هنا ليست في خسارة الأرض فحسب، بل في انهيار الفكرة نفسها؛ فكرة الجيش العقائدي الذي يستخدم الإيمان غطاءً لضعف التنظيم، والوعود غطاءً لفشل القيادة.
مع دخول قوات الدعم السريع إلى المدينة، ستعود الأضواء إلى شوارع بابنوسة. وسيعود الناس إلى الأسواق، وستعود“القميرة” لضوئها القديم، و”تضوي بلينغ” كما يقول أهلها. لقد شكّل تحرير بابنوسة نقطة تحول في غرب كردفان، وأغلق فصلًا من فصول سطوة جيش لم يعد يحظى بثقة مواطنيه. فالمدينة اليوم ليست مجرد مكان تم تحريره، بل رمزٌ لانكسار منظومة كاملة، ولظهور مشهد عسكري جديد يعاد تشكيله من قلب المعارك.
اخيراً؛ لن تُذكر معركة بابنوسة في التاريخ كتحرير موقع عسكري فحسب، بل كهزيمة فكرية وتنظيمية وسياسية لجيش الإخوان المسلمين، الذي فقد القدرة على القتال وفقد قبله القدرة على إقناع جنوده بالثبات. وفي المقابل، ستظل ملحمة الشباب الذين اقتحموا أسوار الفرقة 22 علامة فارقة في ذاكرة السودان وهو ما يعيد رسم ملامح قواته وأحواله ومستقبله. وبين الهزيمة والانكسار، وبين ملحمة القتال والتحرير، عادة بابنوسة القميرة… تضوي بلينغ.




