رأي

كيف أجهضت سطوة العسكر حلم اهل السودان ؟

فحيح الافعي : محمد البخيت 

 

فحيح الافعي : محمد البخيت 

في دهاليز التاريخ السوداني المعاصر، ثمة حكاية ممتدة، فصولها مخضبة بدماء الأحلام الموؤودة، وبطلها ليس جندياً يحمي الحدود، بل بزة عسكرية استمرأت الجلوس على كراسي الحكم، وحولت فوهة البندقية من صدور الأعداء إلى خاصرة الوطن. إن ما يشهده السودان اليوم ليس مجرد صراع عابر،

بل هو نتاج عقود من التغول السافر للمؤسسة العسكرية على الفضاءين السياسي والاقتصادي، مما شكل عقبة كؤوداً في طريق النهوض، وأحال آمال الشعب في بناء دولة المؤسسات إلى ركام من الرماد. و حلم الدولة المدنية الي سراب في ظل سطوة القمع

لقد ظل حلم السودانيين العيش في ظل دولة مدنية، ترتكز على قواعد العدالة والمساواة، وتكفل حرية الفرد والمجتمع دون تمييز عِرقي أو جهوي، حلماً عصياً على التحقق. ففي كل مرة يشرق فيها فجر التغيير، تبرز القوة الباطشة لتسفه احلام، الشعب وتعيد عقارب الساعة إلى الوراء.

هذا الجيش، الذي يتلحف في ظاهره برداء الوطنية، كشفت تصرفاته وعقيدته القتالية الموجهة للداخل أنه ليس سوى جناح مسلح، وقوة باطشة لحماية مصالح تنظيم النخبة المركزية السري إن المأساة الحقيقية تكمن في ذلك المشروع القديم الذي تواثقت عليه النخب المركزية منذ فجر الاستقلال. فرغم التباين الظاهري بين المدارس السياسية والفكرية، يميناً ويساراً، إلا أنها جميعاً تصب في وعاء واحد: الحفاظ على الامتياز التاريخي للنخبة الإرثية.

إن التنظيمات الإخوانية و الشيوعية وواجهاتها المختلفة، رغم صراعاتها المعلنة، تحمل جينات متشابهة في السلوك والمظهر، وتتفق في ولائها المطلق لمشروع التمكين النخبوي الذي أقصى قطاعات واسعة من أبناء السودان من المشاركة في صنع القرار الوطني و إدارة الدولة

لم يكن هذا الجيش يوماً جيشاً وطنياً بالمعنى الشامل، بل كان أداة للقمع والترويع، صُممت لحماية مجموعات إثنية محددة صعدت إلى الواجهة من تحت ركام العمالة للمستعمر، لتتمكن من مفاصل الدولة وإدارتها بشكل مطلق.

لقد تمكنت هذه النخبة، عبر أداتها العسكرية، من السيطرة على الاقتصاد والثقافة والإدارة، بشكل فظيع اعاد الي الاذهان

عهد الاستعمار ودولته القمعية في أبشع صوره.

هذا التغول لم يكتفِ بإفساد السياسة و الاقتصادية فحسب ، بل هتك نسيج المجتمع السوداني بشكل حاد، وأسس لحروب دامية فصلت جزء كبير من الوطن و لم تترك بيتاً إلا ودخلته بآلامها. إن عسكرة الحياة العامة لم تكن لحماية الأرض، بل كانت لضمان استمرار تدفق الامتيازات لطبقة محددة، بينما يرزح السواد الأعظم من الشعب تحت وطأة الفقر والتهميش.

الطريق إلى السودان الذي نحلم به يبدأ بفك هذا الارتباط الآثم بين البندقية والسياسة، وتفكيك بنية النخبة المركزية التي أقعدت بالدولة لسبعين عاماً. إن العدالة والمساواة ليست مجرد شعارات ترفع، بل هي استحقاقات لا تتحقق إلا بجيش وطني مهني، يدرك أن دوره ينتهي عند حدود الثكنات، وبدولة مدنية تسع الجميع دون إقصاء. وإلى أن يتحقق ذلك، سيبقى صمود الشعب السوداني هو الضمانة الوحيدة لعدم ضياع الحلم في ركام الرماد.

هكذا ”’

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!