
إصلاح المؤسسات العسكرية والأمنية
كنتيجة مباشرة لسوء السياسات ابتلي السودان بمؤسسات عسكرية وأمنية غارقة في التشوهات الايدولوجية والعقدية منذ الاستقلال، ترتب علي ذلك عدم استقرار سياسي بفعل تدخل المؤسسات العسكرية السافر في شؤون الحكم، حيث تورطت العديد من الاحزاب السياسية في استدعاء الجيش لاستلام السلطة، كل ذلك كان يتم في اطار تصفية الخصومات السياسية مما عطل بناء دولة مدنية ديمقراطية في السودان. ولذلك فإن الشرط الأول لقيام دولة مدنية ديمقراطية هو اعادة بناء قوة عسكرية وأمنية تكون خاضعة للسلطة المدنية المنتخبة. فالدولة الحديثة لا يمكن أن تقوم على السلاح المنفلت أو تعدد الجيوش، بل على جيش وطني موحد يمثل كل السودانيين دون تمييز، ويحمي الدستور لا النظام، ويخضع للمساءلة لا للوصاية.
أولاً: مفهوم إصلاح المؤسسات العسكرية والأمنية
إصلاح المؤسسات العسكرية والأمنية يعني إعادة بنائها على أسس مهنية، قومية، وشفافة، بحيث تتحول من أداة للهيمنة السياسية إلى مؤسسة وطنية مكرسة لحماية سيادة البلاد وأمنها الداخلي والخارجي.
ويشمل هذا الإصلاح:
1.إعادة تعريف العقيدة العسكرية على أساس الولاء للوطن والدستور، لا لحزب أو فئة أو قائد.
2.تطهير المؤسسة من الولاءات الأيديولوجية والقبلية التي شكلت جذور الصراعات والحروب.
3.ضمان خضوع الأجهزة الأمنية لرقابة مدنية وتشريعية، بما يحدّ من التجاوزات والانتهاكات.
4.تحقيق العدالة الانتقالية داخل المؤسسة نفسها، عبر محاسبة من تورطوا في جرائم الحرب أو القمع السياسي.
ثانياً: كيفية وخطوات إصلاح المؤسسات العسكرية والأمنية
إصلاح المنظومة الأمنية والعسكرية عملية معقدة ومتدرجة، لكنها ممكنة إذا توافرت الإرادة السياسية الوطنية. ويمكن تحديد الخطوات الأساسية كما يلي:
1.وضع إطار دستوري وتشريعي واضح يحدد مهام الجيش القومي والأجهزة الأمنية ويمنع تدخلها في السياسة.
2.بناء جيش قومي مهني، من خلال دمج الأفراد المؤهلين من هذه الجيوش المتعددة وفق معايير مهنية تشمل الكفاءة، الانضباط، وعدم التورط في جرائم.
3.إعادة هيكلة القيادة العامة بإبعاد رموز التمكين الحزبي الأيدولوجي، وتعيين قيادات مؤهلة وفق معايير الخدمة والترقي الطبيعي.
4.إصلاح نظم التدريب والتعليم العسكري لتغرس ثقافة المواطنة وحقوق الإنسان، وتحدّ من ثقافة الاستعلاء على المدنيين.
5.تعزيز الوجود النوعي والجندري القائم على الطابع القومي للمؤسسة.
6.تطوير الأجهزة الأمنية والاستخباراتية وتعزيز كفاءتها المعرفية لتكون موجهة لحماية أمن الدولة والمواطن، لا لقمع الخصوم أو التجسس الداخلي.
7.إعادة توزيع الموارد والاهتمام بالرعاية الاجتماعية للعسكريين لتقليل فرص الفساد والولاءات الخاصة.
ثالثاً: تجارب دولية ملهمة
تجارب إصلاح المؤسسة العسكرية ليست جديدة، ويمكن للسودان أن يستفيد من تجارب دول خرجت من صراعات مشابهة:
•جنوب إفريقيا: بعد سقوط نظام الفصل العنصري، أُعيد دمج جيوش الفصائل المختلفة في جيش وطني موحد وفق مبدأ التوازن والعدالة. تم التركيز على التدريب المهني والمساءلة، مما جعل الجيش لاحقًا أحد أعمدة الاستقرار.
•تشيلي: بعد الديكتاتورية، خضع الجيش لإصلاحات تدريجية بدأت بإنهاء وصايته السياسية، مرورًا بإعادة بناء الثقة بين الجيش والمجتمع المدني.
•رواندا: بعد الإبادة الجماعية، أُعيد تأسيس الجيش ليكون حاميًا لوحدة البلاد، مع التركيز على المصالحة الوطنية والانضباط الأخلاقي.
رابعاً: تطبيق التجارب على الحالة السودانية
الحالة السودانية أكثر تعقيدًا لتعدد الجيوش والحركات المسلحة، وتغلغل الطابع القبلي والسياسي في المنظومة العسكرية. ومع ذلك، يمكن تبني خطة واقعية تقوم على:
1.اتفاق وطني شامل حول إصلاح الجيش في إطار التسوية السياسية، لا كصفقة بين قادة الحرب بل كعقد وطني جامع.
2.تأسيس مجلس أمن ودفاع مدني – عسكري مشترك بإشراف مدني لضمان تنفيذ الإصلاح ومراقبته.
3.البدء التدريجي بدمج القوات النظامية والمسلحة وفق معايير فنية ومهنية، مع ضمان العدالة في التمثيل الإقليمي.
4.إطلاق عملية مصالحة وطنية داخل هذه الجيوش نفسها لتجاوز إرث الانقسام والعداوة.
5.التحول إلى جيش واحد احترافي صغير الحجم عالي الكفاءة يعتمد على التكنولوجيا والانضباط، لا على الولاء الشخصي أو العشائري.
خامساً: إصلاح المؤسسة كقضية وطنية عامة
إصلاح المؤسسة العسكرية ليس مطلبًا لفئة أو حركة، بل ضرورة وطنية عليا لحماية الدولة نفسها من الانهيار. فكل تأخير في هذه العملية يعني استمرار دوامة الانقلابات والحروب، ووأد حلم الدولة المدنية الديمقراطية. إن الجيش القومي المهني هو الضمان الأول لاستقرار السودان، وبدونه لن تكون هناك انتخابات نزيهة ولا مؤسسات ديمقراطية قادرة على الصمود.




