
نجم الدين دريسة
في اللحظات الأخلاقية الفاصلة، يصبح الصمت شكلاً آخر من أشكال الانحياز
منذ اندلاع حرب الخامس عشر من أبريل، لم تكن الأزمة السودانية مجرد مواجهة عسكرية بين طرفين يتنازعان السلطة، بل تحولت إلى معركة كبرى حول طبيعة الدولة السودانية نفسها: من يحكم؟ وكيف تُدار السلطة؟ وما إذا كان السودان سيظل رهينة لمشروع الحركة الإسلامية الذي سيطر على البلاد لعقود، أم أنه سيتجه نحو بناء واقع سياسي جديد يقطع مع إرث الانقلابات والحروب والتوظيف الأيديولوجي للمؤسسات العسكرية. وفي قلب هذه الأسئلة تقف القوى المدنية السودانية، خاصة تحالف “صمود”، بوصفه امتداداً لتحالفات الحرية والتغيير ثم “تقدم”، لكن هذه القوى ظلت حتى الآن عاجزة عن حسم موقفها السياسي والأخلاقي من الحرب، الأمر الذي جعلها تبدو وكأنها تتحرك داخل منطقة رمادية لا تنتج موقفاً ولا تصنع تحولاً.
المعضلة الأساسية في خطاب “صمود” ليست في دعوتها لوقف الحرب، فذلك مطلب مشروع وطبيعي، وإنما في الطريقة التي تُدار بها هذه الدعوة. فالقوى المدنية تتحدث عن الحرب كما لو أنها حدث معزول عن جذوره السياسية والتاريخية، وكأنها صراع متكافئ بين قوتين متماثلتين في المسؤولية والسياق والأهداف، بينما ظلت قيادات هذه القوى نفسها تؤكد، في أكثر من مناسبة، أن الحرب أشعلتها الحركة الإسلامية وأن المؤسسة العسكرية السودانية تعرضت للاختطاف بواسطة جماعة الإخوان المسلمين. هنا يظهر التناقض الكبير: كيف يمكن لقوة سياسية أن تُشخص الأزمة بهذا الوضوح، ثم تتراجع عملياً إلى خطاب الحياد؟
إن الحياد في الصراعات العادية قد يكون موقفاً أخلاقياً مقبولاً، لكنه في لحظات التحولات التاريخية الكبرى يتحول أحياناً إلى شكل من أشكال التهرب السياسي. فالحياد لا يكون نبيلاً عندما يؤدي إلى مساواة الضحية بالجلاد أو يطمس السياقات التي أنتجت الأزمة. ولذلك فإن جزءاً كبيراً من الانتقادات الموجهة لتحالف “صمود” ينبع من شعور قطاعات واسعة بأن هذا التحالف يمتلك تشخيصاً صحيحاً للأزمة لكنه يفتقر إلى الشجاعة السياسية للبناء على ذلك التشخيص.
لقد وقعت القوى المدنية، عبر تحالف “تقدم”، على إعلان سياسي مع قوات الدعم السريع في يناير 2024، يتضمن أسساً واضحة لوقف الحرب وبناء عملية سياسية جديدة، بينما رفض الجيش التوقيع عليه. وكان من المفترض – وفق المنطق السياسي الطبيعي – أن تتحول تلك الوثيقة إلى أرضية عملية لبناء أدوات ضغط وآليات تنفيذ وشبكات تحالف أوسع. لكن ما حدث هو العكس تماماً؛ إذ دخلت القوى المدنية في دوامة من التردد والخوف من اتخاذ موقف واضح، فانقسمت “تقدم”، وخرجت منها قوى رأت أن الحسم السياسي يتطلب الذهاب نحو مشروع جديد أكثر وضوحاً، وهو ما تجسد لاحقاً في تحالف “تأسيس”.
أما “صمود”، فقد بدا منذ لحظة تكوينه وكأنه يحاول الجمع بين المتناقضات: يريد إرضاء المجتمع الدولي، وعدم استفزاز المؤسسة العسكرية، والحفاظ على خطاب ثوري، وفي الوقت نفسه تجنب الدخول في مواجهة مباشرة مع الإسلاميين. وهذه التركيبة صنعت خطاباً مرتبكاً لا يمتلك القدرة على التأثير الحقيقي في مسار الحرب أو فرض معادلات سياسية جديدة.
إن المشكلة الجوهرية في القوى المدنية السودانية ليست فقط ضعف التنظيم أو غياب الأدوات، بل أزمة في البنية المفاهيمية ذاتها. فهذه القوى ما تزال تنظر إلى السياسة بوصفها مساحة للتوازنات الخطابية وليس باعتبارها صراعاً حقيقياً حول السلطة وموازين القوة. ولذلك ظلت أسيرة لفكرة “المسافة الواحدة” بين الأطراف، حتى عندما تكون الوقائع السياسية والعسكرية تشير بوضوح إلى أن أحد الأطراف يملك مشروعاً لإعادة إنتاج الدولة القديمة بكل أدواتها الأمنية والأيديولوجية.
ومن اللافت أن “صمود” يرفع شعار “لا للحرب”، وهو ذات الشعار الذي تتبناه قوات الدعم السريع منذ توقيع إعلان يناير 2024، لكن التحالف يتعامل مع هذا التقاطع وكأنه عبء يجب التهرب منه، لا أرضية يمكن البناء عليها. ولذلك بدا وكأن القوى المدنية تخشى أكثر ما تخشاه هو اتهامها بالانحياز، حتى لو أدى ذلك إلى فقدان المعنى السياسي لمواقفها.
إن السياسة ليست تمريناً أخلاقياً مجرداً، بل عملية تحديد واضح للمواقف والخصوم والحلفاء. وكل مشروع سياسي لا يملك تعريفاً واضحاً لعدوه الرئيسي، ينتهي غالباً إلى التآكل الداخلي. ولهذا تبدو “صمود” اليوم في حالة إنهاك سياسي وفكري، لأنها تحاول الجمع بين خطاب ثوري وممارسة محافظة، وبين نقد الإسلاميين والخوف من مواجهتهم بصورة مباشرة.
ولا يمكن فهم هذا التردد بعيداً عن تأثير المجتمع الدولي وبعض القوى الإقليمية التي ما تزال تتعامل مع الملف السوداني بعقلية “إدارة الأزمة” لا حلها. فهناك قوى دولية تخشى من أي تحولات جذرية قد تُنتج واقعاً جديداً خارج سيطرتها التقليدية، ولذلك تميل إلى دعم صيغ سياسية هلامية تبقي الجميع داخل حالة من التوازن الهش. وفي كثير من الأحيان تتحول القوى المدنية المحلية إلى مجرد وكلاء لهذا المنطق الدولي، فتفقد قدرتها على اتخاذ قرارات مستقلة وشجاعة.
لكن الأزمة الأخطر تكمن في أن استمرار هذا الخطاب الرمادي يمنح الحركة الإسلامية وقتاً إضافياً لإعادة ترتيب صفوفها. فالإخوان المسلمون لا يخوضون هذه الحرب باعتبارها مجرد معركة عسكرية، بل معركة وجود سياسي وأيديولوجي. وهم يدركون جيداً أن أي تردد داخل المعسكر المدني يمنحهم مساحة أوسع للعودة إلى المشهد عبر خطاب “حماية الدولة” و”الدفاع عن الجيش”. ولذلك فإن أي مشروع مدني لا يمتلك وضوحاً حاسماً تجاه الإسلاميين سيظل عاجزاً عن إحداث اختراق حقيقي.
لقد أثبتت التجربة السودانية منذ الاستقلال أن الدولة لا تسقط فقط بسبب الانقلابات، بل أيضاً بسبب ضعف النخب المدنية وعجزها عن اتخاذ قرارات تاريخية في اللحظات الحاسمة. وهذا ما يجعل السؤال اليوم أكثر إلحاحاً: هل تريد القوى المدنية فعلاً إنهاء الحرب وتفكيك مشروع الإسلاميين، أم أنها تريد فقط إدارة الأزمة بأقل قدر من الخسائر السياسية؟
إن الأوطان لا تُبنى بالتردد، ولا تُدار بالعواطف الرمادية، ولا تُحمى بخطابات الحياد في لحظات الانهيار الكبرى. فكل تجربة سياسية عظيمة في التاريخ كانت نتيجة وضوح فكري وشجاعة في اتخاذ الموقف، لا نتيجة الخوف من الاتهامات أو الهروب من الحسم. ولذلك فإن مستقبل السودان لن تصنعه القوى التي تكتفي بإطلاق الشعارات وإنتاج البيانات، بل القوى التي تمتلك إرادة الفعل وقدرة المواجهة وصناعة التحولات.
وفي النهاية، تبدو الأزمة الحقيقية لتحالف “صمود” أنه يريد أن يكون جزءاً من كل شيء، دون أن يدفع ثمن أي موقف. لكنه بذلك يخاطر بأن يصبح خارج التاريخ نفسه، لأن اللحظات الكبرى لا تتذكر المترددين، بل أولئك الذين امتلكوا الجرأة على اتخاذ القرار عندما كان الجميع يخشى ذلك.




