رأي

بين عقلية الناشط وهيبة الدولة

د. أحمد مناوي

 

د. أحمد مناوي

أخطر ما يمكن أن تواجهه الدول في المراحل الانتقالية، ليس ضعف الموارد ولا هشاشة المؤسسات فحسب، وإنما اختلاط الأدوار داخل السلطة نفسها؛ حينما يجلس بعض المسؤولين على كراسي الدولة بينما تظل عقولهم وأساليبهم القديمة حبيسة مربع الناشط السياسي.

فالنشاط العام بطبيعته قائم على الانحياز، وعلى الدفاع عن موقف، وخوض المعارك، والانتصار لفئة أو قضية. أما الدولة، فهي نقيض ذلك تماماً؛ إذ لا تُبنى بالانفعال، ولا تُدار بروح الخصومة، وإنما تقوم على الحكمة، والتوازن، والوقوف على مسافة واحدة من الجميع.

وحكومة السلام الانتقالية ليست حكومة عادية يمكن التعامل معها بخفة أو بعقلية ردود الأفعال، بل هي حكومة مهرت بدماء الشهداء الكرام، وجاءت في ظرف بالغ التعقيد والخطورة، لذلك فإن مسؤولية الحفاظ على هيبتها وتماسكها ليست مسؤولية أشخاص بعينهم، وإنما مسؤولية وطنية وأخلاقية جماعية. فهي حكومة وليدة، تحتاج إلى عقل منفتح، وإلى خطاب راشد، وإلى مسؤولين يدركون أن أي سلوك غير محسوب قد يخصم من رصيدها السياسي والأخلاقي أمام الناس.

ما يحدث اليوم من بعض المكلفين بالحقائب الوزارية أو النواب في المجالس التشريعية، يطرح سؤالاً بالغ الخطورة: هل غادر هؤلاء مقاعد النشاط إلى مؤسسات الدولة فعلاً، أم أنهم نقلوا عقلية المنصة والهتاف إلى داخل السلطة؟

ذلك لأن البعض ما زال يتدخل في الشأن المحلي لولاياته ومناطقه الأصلية بذات عقلية الناشط القديم؛ ينحاز هنا، ويصطف هناك، ويُقحم هيبة المنصب في نزاعات صغيرة، وكأن المسؤولية العامة تفويض مفتوح لإدارة الخلافات المحلية أو ترجيح كفة طرف على آخر.

إن المسؤول حينما يتحدث من موقع الدولة، لا يتحدث كمواطن عادي، ولا كناشط حر، بل كرمز لمؤسسة يفترض أن يشعر الجميع تجاهها بالطمأنينة والاحترام. لذلك فإن أي انحياز غير محسوب، أو تدخل غير متزن، لا يُقرأ باعتباره رأياً شخصياً، بل يُفهم بوصفه موقفاً للدولة نفسها.

وهنا تكمن الخطورة.

فهيبة المناصب لا تضيع دفعة واحدة، وإنما تتآكل تدريجياً كلما هبط بعض شاغليها إلى ساحات الاستقطاب، وتحولوا من رجال دولة إلى أطراف في السجالات اليومية. وحينما يصبح الوزير أو النائب جزءاً من المعركة، يفقد القدرة على لعب دور الحكم، وتفقد الدولة قدرتها على الوقوف فوق الجميع.

وإذا تُرك هذا السلوك بلا ضبط ولا تنبيه، فإن الأمر لن يتوقف عند حدود الملاحظات العابرة، بل سيتحول إلى حالة من الردود والردود المضادة، والسجالات المفتوحة التي ستبتلع هيبة المناصب شيئاً فشيئاً. لأن الناس حينما تشعر بأن المسؤول تخلى عن موقع الحَكم، ونزل إلى ساحة الاصطفاف، فلن تتعامل معه باعتباره رمزاً للدولة، وإنما باعتباره طرفاً سياسياً قابلاً للنقد والهجوم والاشتباك.

وحينها ستفقد المناصب وقارها، وستتحول مؤسسات الفترة الانتقالية إلى منصات للخصومات بدلاً من أن تكون مظلة جامعة للجميع.

ليس مطلوباً من المسؤول أن يتجرد من اهتمامه بقضايا أهله وولايته، فهذا واجب أخلاقي وسياسي، لكن المطلوب أن يدرك أن بين الاهتمام والانحياز شعرة رفيعة، وأن المنصب العام لا يمنح حصانة للتدخل، بل يفرض قيوداً إضافية على السلوك والخطاب والمواقف.

ومن هنا، فإن الرسالة التي يجب أن تصل إلى السيد رئيس المجلس الرئاسي والسيد رئيس مجلس الوزراء والسيد رئيس مجلس الأقاليم، هي أن استمرار هذا النوع من التدخلات يضع مؤسسات الفترة الانتقالية أمام اختبار خطير. فإما أن تتم إعادة تعريف حدود الأدوار السياسية والتنفيذية لهؤلاء المسؤولين، أو أن يُترك الباب مفتوحاً أمام ردود الأفعال الشعبية والسجالات المضادة، وعندها لن يخسر الأشخاص وحدهم، بل ستخسر الدولة وقارها وهيبتها.

إن الدول التي تحترم نفسها، لا تسمح بأن تتحول المناصب السيادية والتنفيذية إلى أدوات اصطفاف محلي، لأن رجل الدولة الحقيقي ليس ذلك الذي ينتصر لفئة، وإنما الذي يحافظ على توازن الجميع.

فالمنصب العام ليس امتداداً لمسيرة النشاط، بل انتقالٌ أخلاقي وسياسي من ضيق الجماعة إلى سعة الوطن.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!