
د.ناهد محمد الحسن
في لحظات الانهيار الكبرى، لا تكون أخطر الأسلحة هي البنادق وحدها، بل الكلمات التي تسبقها. الكلمات التي تُمهّد، وتُجرّب حدود الصمت، وتختبر قدرة المجتمع على الاعتراض.
وحين تُقال الكلمات باسم الدين، تتضاعف خطورتها؛ لأنها لا تخاطب العقل وحده، بل تستدعي الطاعة، والخوف، واليقين الأخلاقي المطلق.
الخطاب الذي يدعو إلى قتل خصوم سياسيين، أو سحب حقوقهم المدنية، أو تفريقهم قسرًا حتى “لا يجتمعوا”، لا يقع في نطاق الرأي، ولا في باب الاجتهاد، ولا حتى في دائرة الخطابة الحماسية.
نحن أمام تحريض مباشر على العنف، مغلّف بلغة دينية، ومسنود بمنطق استثنائي يرى السياسة ساحة حرب، والمجتمع معسكرًا، والاختلاف تهديدًا وجوديًا.
كيف يعمل هذا الخطاب؟
لفهمه، لا بد من تفكيكه طبقةً طبقة.
أولًا: نفسيًا – صناعة الخوف وتبسيط العالم
في علم النفس السياسي، يظهر هذا النوع من الخطاب عادة في لحظات فقدان السيطرة.حين تتآكل السلطة، أو يتعقّد الواقع، يبحث العقل الجمعي عن سردية بسيطة: خير/شر، إيمان/خيانة، معنا/ضدنا. هذا التبسيط ليس سذاجة، بل آلية دفاع نفسية.
العقل المنهك من التعقيد يلجأ إلى اليقين المطلق، حتى لو كان عنيفًا. والتحريض هنا يمنح شعورًا زائفًا بالقوة: إذا قتلنا “الآخر”، نستعيد النظام..إذا أسكتناه، ننجو.
لكن التاريخ يخبرنا أن المجتمعات لا تنهار بسبب كثرة الأسئلة، بل بسبب قمعها.
ثانيًا: دينيًا – اختطاف المقدّس
أخطر ما في هذا الخطاب أنه لا يقول: “أنا رأي سياسي”، بل يقول ضمنيًا: “أنا الدين”..وهنا يحدث الانزلاق الأخلاقي الأكبر:
تُختصر الشريعة في فتوى، ويُختزل الدين في موقف سياسي،
ويُحوَّل الخلاف إلى معصية.
لكن التراث الإسلامي نفسه، إذا قُرئ بإنصاف، يضع قيودًا صارمة على التكفير والدم، ويشترط العلم، والقضاء، والدولة، والإجراءات، ويغلق باب الفتوى الفردية في الدماء إغلاقًا شبه تام.
ما يحدث هنا ليس “غيرة على الدين”، بل تسييس للدين، واستخدامه كسلاح تعبئة.
سحب الغطاء الديني يبدأ من هنا ..ليس بمهاجمة الإيمان، بل بحمايته من التوظيف القسري.
ثالثًا: قانونيًا – حين تُمحى الدولة بالكلمات
الدعوة إلى قتل أشخاص، أو سحب جوازاتهم، أو تفريقهم قسرًا، ليست “آراء”. هي، في كل القوانين الحديثة، جرائم تحريض.
حتى الدول التي تُدرج الشريعة في دساتيرها لا تسمح لواعظ أو شيخ أن يحلّ محل القضاء.. والخطر الحقيقي:
أن يُقدَّم العنف بوصفه “بديلًا عن القانون”. وحين يحدث ذلك، لا يعود أحد آمنًا—حتى من صفقوا اليوم.
رابعًا: سياسيًا – إرجاء الديمقراطية بالعنف
يقول الخطاب التحريضي غالبًا: “الآن نواجه مؤامرة… وبعدها نحتكم للصندوق”. وهذه واحدة من أقدم خدع السياسة العنيفة.
فلا صندوق يأتي بعد تطبيع التهديد، ولا انتخابات تُبنى على الخوف، ولا ديمقراطية تولد من رحم الإقصاء.
التاريخ—من أوروبا القرن العشرين إلى منطقتنا—يعلّمنا أن من يبدأ بالتحريض لا ينتهي عنده، بل يبتلع الدولة نفسها.
بعد تفكيك آليات الخطاب، يبقى السؤال الأصعب: ماذا نفعل نحن، كمجتمع، حين تتحول الكلمات إلى ذخيرة؟» كيف نُواجه هذا الخطاب؟
التحريض يعيش على الانتشار.. لذلك ينبغي علينا ان لا نشاركه دون فضحه و تفكيكه ..و المهم ..شرح خطورته لا تضخيمه، تفكيكه لا ترويجه..وحماية الجمهور من التطبيع مع العنف اللفظي.. معرفيا يتحتم علينا نزع الغموض عن هذا النوع من الخطاب.. وتسمية الاشياء باسمها الحقيقي..ما قيل تحريض، لا رأيًا. دعوة للعنف، لا اجتهادًا..تجاوز للدولة، لا غيرة على الدين.
هذه التسمية الدقيقة تُسقط السحر، وتُعيد الخطاب إلى حجمه الحقيقي.
.. دماء السودانيين اغلى من ان يفتى فيها فرادى..دم اي انسان اغلى من ان يترك لورع شخص مفرد.. لقد عانينا في السودان لسنوات من تهجم الكيزان و شيوخ السلطان على الدين لتطويعه في السياسة لخدمة.مصالح ذاتية..فالاختلاف السياسي ليس كفرا و لا خيانة.
نحن لا نعيش في عوالم معزولة، علينا ان نعمل معا لتوثيق هذا النوع من التجاوزات بصورة مهنية مع التوصيف القانوني الدقيق. و اللجوء إلى آليات حقوقية مستقلة…من المهم ان نثبت سابقة قضائية : التحريض ليس مجانيًا.
هنالك حالة من الوهم الغريبة حين يتحدث هؤلاء الناس ويفتون يظنون انهم يمثلون السودان..ردنا عليهم جميعا كل من مكانه او الجهة التي يمثلها..لاسيما الشخصيات الدينية المعتدلة تلك التي تخشى الله اكثر من الحكام و ترجو الحق لا عرض الدنيا فأنها تحقن دماء السودانيين و تفقد هذا النوع من الخطابات التحريضية وهم التمثيل.
و الاهم من ذلك كله في تقديري هو ملء الفراغ الذي يترك لمثل هذا النوع من الهوس الديني ان ينتشر بلا وازع ويغرق الناس في الدم. فالتحريض يزدهر في الفراغ…كلما طال غياب أفق مدني واضح للسلام والمحاسبة،.زادت قدرة خطاب الدم على الادعاء بأنه “الخيار الوحيد”. وبالتالي إعادة فتح أفق سياسي جاد—مهما كان صعبًا—هي شرط أساسي لتجفيف منابع التحريض.
ختاما:
التحريض باسم الدين ليس قوة، بل علامة خوف. والدين الذي يُستخدم لتبرير القتل، يُفرَّغ من معناه الأخلاقي. والسياسة التي تُدار بالتهديد، تُعلن إفلاسها. أخطر ما في هذا الخطاب ليس أنه يقول “اقتل”، بل أنه يقول للمجتمع: “توقّف عن التفكير”.
ومقاومته الحقيقية ليست في ردود الأفعال الغاضبة،
بل في إعادة السياسة إلى السياسة، والدين إلى قيمه، والدولة إلى قانونها، والخلاف إلى إنسانيته. عندها فقط قد نُطفئ الشرارة قبل أن تصير حريقًا، ونحمي الإيمان من الفتنة، والمجتمع من الانزلاق، والوطن من أن يُحكم بالرصاص.



