
سمية النور دهب
القادة العظام دوما يزرعون الأمل في قلوب الشعوب
لم يكن خطاب الفريق أول محمد حمدان دقلو بمناسبة عيد الأضحى المبارك مجرد كلمة سياسية عابرة أملتها ضرورات الحرب أو بروتوكولات المناسبات، بل بدا أشبه بإعلان سياسي وتاريخي متكامل لمرحلة جديدة في السودان، مرحلة تتجاوز منطق الدولة القديمة بكل أزماتها وتشوهاتها، نحو مشروع مختلف يقوم على إعادة تعريف معنى الوطن والسلطة والعدالة والانتماء.
لقد حمل الخطاب لغة حاسمة وواضحة، لا تعرف المواربة، حين أكد أن مشروع “السودان الجديد” لم يعد مجرد شعار سياسي أو حلم مؤجل، بل أصبح معركة وجود ومصير تخوضها الشعوب السودانية في مواجهة ما وصفه بالمشروع الإرهابي للحركة الإسلامية، الذي حمّله مسؤولية الحروب والانقسامات والفساد وتدمير الدولة السودانية لعقود طويلة.
ما ميّز خطاب دقلو هذه المرة أنه لم يتحدث بلسان قائد عسكري يبحث عن نصر ميداني فحسب، وإنما بلسان قائد سياسي يسعى لإعادة تشكيل الوعي الوطني السوداني على أسس جديدة، عنوانها الحرية والسلام والعدالة والمواطنة المتساوية. ولهذا لم يكن مستغرباً أن يحظى الخطاب باهتمام واسع، باعتباره من أكثر الخطابات وضوحاً منذ اندلاع الحرب.
لقد وضع حميدتي المعركة في إطارها الفكري والسياسي الحقيقي، حين أكد أن الحرب ليست صراعاً على السلطة أو النفوذ، وإنما مواجهة فاصلة بين مشروعين متناقضين: مشروع الهيمنة والاستبداد والإقصاء، ومشروع الدولة الوطنية التي تتسع للجميع دون تمييز أو احتكار.
وفي هذا السياق، بدا حديثه عن تأسيس جيش سوداني جديد بعقيدة قومية ومهنية من أهم الرسائل التي حملها الخطاب، لأنه أعاد طرح واحدة من أعقد أزمات السودان التاريخية، وهي أزمة الجيش والدولة المركزية التي ظلت، لعقود طويلة، أسيرة للجهوية والولاءات الضيقة والاحتكار السياسي.
وحين يقول دقلو إن الانتماء في الجيش الجديد سيكون للوطن وحده، فإنه يبعث برسالة عميقة مفادها أن السودان لا يمكن أن يستقر ما لم تُهدم الحواجز النفسية والسياسية التي صنعتها سنوات التمييز والعنصرية والاستعلاء.
ولعل أكثر ما منح الخطاب بعده الرمزي الكبير، استحضاره لرموز النضال التاريخي في السودان، من جون قرنق إلى يوسف كوة وداوود بولاد والدكتور خليل إبراهيم، في إشارة واضحة إلى أن مشروع “تأسيس” لا يقدم نفسه كمشروع سلطة عابر، وإنما كامتداد طويل لنضالات الهامش السوداني ضد التهميش والإقصاء التاريخي.
لقد أراد حميدتي أن يقول إن السودان الجديد لن يولد من رحم التسويات القديمة، وإنما من إرادة الشعوب التي دفعت أثماناً باهظة من الدماء والتضحيات والنزوح والفقد.
ومن هنا جاءت تحيته لأسر الشهداء والجرحى والنازحين واللاجئين، باعتبارهم جزءاً أصيلاً من معركة إعادة بناء السودان، لا مجرد ضحايا حرب عابرة.
كما أن تأكيده على التزام حكومة السلام بتوفير الغذاء والدواء والخدمات الأساسية، والعمل على إعادة الإعمار وتهيئة الظروف لعودة النازحين واللاجئين، عكس محاولة لتقديم مشروع سياسي يتجاوز لغة الحرب إلى خطاب الدولة والمسؤولية الاجتماعية والإنسانية.
أما الرسالة الأشد قوة في الخطاب، فجاءت في حديثه الصريح ضد القبلية والعنصرية، حين قال عبارته اللافتة:
“الحرامي ما عندو قبيلة، والمجرم ما عندو قبيلة، والخاين ما عندو قبيلة”.
وهي عبارة تحمل دلالات سياسية واجتماعية عميقة، لأنها تسعى إلى كسر منطق الحماية القبلية للجريمة والانحياز الأعمى، وتؤسس لفكرة الدولة القائمة على سيادة القانون لا على العصبيات والانتماءات الضيقة.
إن خطاب حميدتي في عيد الأضحى لم يكن مجرد خطاب تعبئة سياسية أو عسكرية، بل بدا أقرب إلى وثيقة سياسية متكاملة تعيد رسم ملامح الصراع ومستقبل السودان في آن واحد.
ولهذا يرى كثيرون أن الرجل لم يعد يتحرك بوصفه قائداً عسكرياً فقط، بل بوصفه قائداً لمشروع سياسي واجتماعي واسع، يسعى إلى إعادة كتابة العقد الوطني السوداني من جديد.
وفي بلد أنهكته الحروب والانقسامات لعقود، تبدو مثل هذه الخطابات محاولة لإعادة بث الأمل في إمكانية قيام وطن جديد، وطن لا يُقصى فيه أحد، ولا تُحتكر فيه السلطة والثروة والهوية باسم جماعة أو نخبة أو مركز بعينه.




