رأي

السافنا والتحولات الصادمة.. هل سقط النضال في مزاد السياسة؟

محمد تاج الدين الحلو

 

محمد تاج الدين الحلو 

في السودان، لم تعد الصدمة في تبدّل المواقف، بل في السرعة التي يتحول بها بعض من حملوا شعارات “النضال” إلى أدوات في سوق المصالح. فالحرب التي مزّقت البلاد لم تكشف فقط حجم الخراب العسكري والإنساني، بل عرّت كذلك وجوهًا كانت تتحدث باسم الهامش والثورة والكرامة، قبل أن تسقط أقنعتها أمام ذاكرة شعب لا ينسى.

السافنا كان واحدًا من تلك الوجوه التي صنعت حضورها على خطاب التهميش والتمرد، وهاجمت الدولة المركزية والكيزان بلا هوادة، بل قدّم نفسه باعتباره جزءًا من مشروع “ثورة الهامش” التي قال إنها جاءت لاسترداد الحقوق بالقوة. قاتل، وأصيب، وظهر في الإعلام بوصفه مناضلًا يحمل قضية. لكن ما حدث لاحقًا كشف للسودانيين أن بعض البنادق لا تقاتل من أجل المبادئ، بل من أجل الجهة التي تدفع أكثر.

فالرجل الذي كان بالأمس يلعن الاصطفاف، عاد اليوم بخطاب لا يشبه تاريخه، وكأن سنوات العداء والتخوين والتجييش قد مُسحت بضغطة زر. تحول مفاجئ أعاد للأذهان نماذج سقطت من قبل في مستنقع الارتزاق السياسي، حيث تُباع المواقف كما تُباع السلع في الأسواق، وتُستبدل الشعارات بحسب اتجاه التمويل.

السودانيون يعلمون جيدًا كيف تُصنع الانشقاقات، ومن يمولها، ولماذا تتكرر في توقيتات محسوبة. ولم يعد الحديث عن المال السياسي مجرد همس في المجالس، بل صار واقعًا يتداوله الناس علنًا، خاصة بعد المقاطع المتداولة المنسوبة لأسرة السافنا، والتي كشفت حجم الأزمة الأخلاقية والسياسية التي يعيشها الرجل.

المأساة ليست في تغيير الموقف السياسي، فالمراجعات حق مشروع، لكن الكارثة حين يتحول “النضال” إلى سبوبة، وحين يصبح المناضل مجرد بندقية للإيجار، يرفع شعارات الثورة نهارًا ويجلس مساءً على موائد المصالح. هنا يسقط المعنى الحقيقي للقضية، ويتحوّل الدم الذي سُفك إلى مجرد استثمار سياسي قذر.

ثم جاء المشهد الأكثر استفزازًا؛ ظهور السافنا بجوار الكعبة المشرفة في فيديو مصوّر بعناية، تُدار فيه الكاميرا كما تُدار مشاهد الدراما، بينما يقف شخص بجانبه يلقنه الدعاء واضعًا يده على كتفه في استعراض لا يليق بحرمة المكان ولا قدسية العبادة. فالكعبة ليست منصة للعلاقات العامة، ولا الحج موسمًا لغسل السمعة السياسية أمام الجماهير.

كان الأولى بمن أثقلته التناقضات أن يختلي بنفسه للمراجعة والتوبة الصادقة، لا أن يحوّل لحظة روحانية إلى مادة إعلامية بحثًا عن تعاطف جديد. لأن الله لا تُخدعه الكاميرات، ولا تنطلي عليه دموع السياسة الموسمية.

الأدهى من ذلك أن الرجل يتحدث عن وقف الحرب، بينما يقف عمليًا في صف من يشعلون نارها ويغذون استمرارها. وفي المقابل، هناك أطراف ظلت تطرق أبواب التفاوض وتعلن استعدادها للحلول السياسية، بينما يصر آخرون على الاستثمار في الدم السوداني حتى آخر مواطن.

لقد تحوّل بعض القادة من رموز ميدانية إلى سلع سياسية متنقلة، تُباع وتشترى وفقًا لحجم الدفع والمصلحة. وهذه هي الحقيقة المؤلمة التي يجب أن تُقال بلا خوف: حين يصبح النضال مهنة مدفوعة الأجر، تسقط الأخلاق قبل أن تسقط الشعارات.

وفي النهاية، يبقى المواطن السوداني وحده هو الخاسر الأكبر؛ يدفع ثمن الحرب، وثمن الخيانة، وثمن النخب التي باعت القضية في مزاد السياسة المفتوح .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!