
فاطمة لقاوة
عندما تعجز الأنظمة المهزومة عن الإنتصار في ميادين السياسة، تلجأ إلى أخطر الأسلحة وأكثرها قذارة: تفجير المجتمعات من الداخل،وهذا بالضبط ما تفعله اليوم عصابة بورتسودان، التي لم يعد في جُعبتها مشروع دولة، ولا خطاب وطني، ولا حتى قدرة أخلاقية على مخاطبة السودانيين، فإختارت أن تُشعل النار في النسيج الإجتماعي عبر مشروع ممنهج لِـ “قبلنة المشهد السوداني” وتحويل القبائل إلى وقود لمعركتها الأخيرة.
ما جري في إقليم جنوب كردفان/جبال النوبة أيام مضت ،و ما يجري اليوم في إقليم كردفان ،بالضبط في “دار حامد” ليس أحداثاً معزولة، بل هو نشاط إستخباراتي منظم يهدف إلى تفكيك المجتمعات المحلية، وإعادة إنتاج الحرب الأهلية بصيغة قبلية، بعد أن فشلت هذه الطغمة في فرض هيمنتها عسكرياً وسياسياً.
لقد أدركت عصابة بورتسودان أن مشروعها يتهاوى بسرعة، وأن الشارع السوداني بدأ يلتف حول فكرة “الدولة الجديدة” لا “دولة الإمتيازات القديمة”،لذلك لجأت إلى اللعب بورقتها التاريخية القذرة: صناعة الكراهية، وتحويل القبيلة إلى خندق سياسي، وإعادة تدوير خطاب التخويف والتقسيم.
يبدو واضحاً اليوم أن السودان تغيّر،فالشعب الذي دفع ثمن الحروب لعقود، لم يعد قابلاً بسهولة للإنجرار خلف دعاة الفتنة،والمجتمعات التي إكتوت بنيران التحريض القبلي أصبحت أكثر وعياً بأن هذه الصراعات لا تخدم إلا مافيا السلطة وتجار الدم والحرب.
مقابل الإنحدار الأخلاقي والسياسي الذي تمثله جماعة بورتسودان، برزت بوضوح خطابات سياسية مفصلية يمكن وصفها بأنها “وثائق تأسيس تاريخية” لميلاد الدولة السودانية الجديدة.
لقد جاء خطاب الفريق أول محمد حمدان دقلو في عيد الأضحى المبارك مختلفاً عن الخطابات التقليدية التي إعتاد السودانيون سماعها من أنظمة المركز القديمة،لم يكن خطاب تعبئة عسكرية أو تحريض جهوي، بل حمل تصوراً واضحاً لدولة جديدة تقوم على العدالة، وإنهاء الإحتكار التاريخي للسلطة، وبناء وطن يتساوى فيه الجميع دون تمييز عرقي أو جهوي أو قبلي،ولأول مرة منذ عقود طويلة، يتم طرح مفهوم الدولة السودانية بإعتباره مشروعاً لكل السودانيين، لا إرثاً تحتكره نخبة نيلية محددة أو مؤسسة عسكرية مغلقة.
الخطاب المفاهيمي العميق الذي قدمه الأستاذ محمد حسن التعايشي، رئيس مجلس الوزراء، فقد وضع الإطار الفكري والسياسي لمشروع “السلام والتأسيس”، بإعتباره مشروع إنتقال تاريخي من دولة الحرب والهيمنة إلى دولة المواطنة والعدالة المدنية.
تحدث التعايشي بوضوح عن ضرورة تفكيك بنية السودان القديم، وعن إستحالة بناء وطن مستقر فوق أساسات الإقصاء والعنصرية والإستعلاء السياسي والثقافي.
الخطابين كانا رسائل لم تحتملها قوى بورتسودان التي تدرك أن أي وعي وطني جديد يعني عملياً نهاية مشروعها القائم على إحتكار الدولة والثروة والسلاح، ولهذا تحديداً بدأت ماكينة الإستخبارات التابعة لهم في تنشيط خطاب “القبلنة”، ومحاولة إختراق المجتمعات المحلية، وصناعة بؤر توتر في كردفان ودارفور وجبال النوبة، لأنهم يعلمون أن السلام الحقيقي أخطر عليهم من الحرب نفسها.
أخطر ما تقوم به عصابة بورتسودان اليوم ليس فقط إستمرار الحرب، بل محاولة تحويل الصراع السياسي إلى صراع مجتمعي دائم، بحيث يصبح السوداني عدواً لأخيه السوداني، بينما تختبئ هي خلف الفوضى لتعيد إنتاج سلطتها المنهارة.
هذه المؤامرة تصطدم بحقائق جديدة على الأرض،أولاً: أن مشروع التأسيس الجديد بات يمتلك خطاباً سياسياً واضحاً ومتماسكاً، يقدّم بديلاً حقيقياً لفشل الدولة القديمة.
ثانياً: أن قطاعات واسعة من السودانيين أصبحت أكثر وعياً بدور الإستخبارات في صناعة الفتن القبلية، ولم تعد تنطلي عليها شعارات “حماية الدولة” و”الحرب الوطنية” التي تُستخدم لتغطية جرائم التمزيق المجتمعي.
ثالثاً: أن زمن إحتكار تعريف الوطنية قد إنتهى، ولم يعد ممكناً لعصابة سياسية معزولة أن تُخوّن كل من يرفض مشروعها أو يطالب بدولة عادلة.
“قبلنة المشهد” الذي تسعى إليه عصابة بورتسودان هو ليست مجرد خطأ سياسي، بل جريمة مكتملة الأركان بحق السودان ومستقبله، لأنها تستهدف تفجير المجتمع من الداخل وتدمير أي إمكانية لبناء دولة مستقرة،
المفارقة أن هذه الورقة أصبحت أيضاً دليلاً على قرب نهاية المشروع القديم نفسه؛ فالقوى الواثقة من شرعيتها لا تحتاج إلى حرق المجتمعات حتى تبقى، أما الأنظمة المحتضرة وحدها هي التي تستثمر في الكراهية لأنها فقدت القدرة على إنتاج الأمل.
اليوم، بينما تمضي حكومة الوحدة و السلام التي انتجها تحالف تأسيس في وضع اللبنات الأولى لدولة سودانية جديدة، تقف عصابة بورتسودان على الضفة الأخرى من التاريخ: مُنهكة، مَعزولة، ومُحاطة بأوراق محترقة لم يعد بينها سوى خطاب الفتِنة والتحريض.
السودان الذي بدأ يستيقظ من رماد الحرب، لن يعود مرة أخرى رهينة لعصابات الدم، ولا أسيراً لمشاريع “القبلنة” وصناعة الكراهية.
فقطار التأسيس إنطلق، ولن توقفه ضوضاء المهزومين.




