
أبو عبدالله الراشدي
في لحظة فارقة من تاريخ السودان، حيث تتقاطع تعقيدات الحرب مع تطلعات شعبية عريضة نحو الاستقرار وإعادة بناء الدولة، يخرج الحزب الشيوعي السوداني برؤية تبدو – في ظاهرها – سياسية، لكنها في جوهرها تعكس أزمة عميقة في قراءة الواقع، وعجزاً واضحاً عن مواكبة التحولات الكبرى التي يشهدها المشهد السوداني.
إعلان الحزب تسليم “الآلية الخماسية” رؤيته لحل الأزمة لم يكن مفاجئاً من حيث الشكل، لكنه كان صادماً من حيث المضمون. فالمقترحات التي طرحها، وعلى رأسها حل قوات الدعم السريع وكافة التشكيلات المسلحة، تبدو وكأنها مستنسخة من قوالب نظرية قديمة، لا تراعي تعقيدات الواقع ولا توازنات القوى على الأرض. إنها أقرب إلى خطاب إنشائي يُقال في الندوات، لا إلى رؤية قابلة للتنفيذ في سياق سياسي وأمني شديد الحساسية.
المشكلة الجوهرية هنا ليست في الموقف ذاته، بل في الطريقة التي يُبنى بها. فالحزب الشيوعي، الذي يفترض أنه يمتلك إرثاً سياسياً طويلاً، يبدو اليوم وكأنه يتعامل مع السودان بعين الماضي، لا بعين الحاضر. يكرر شعاراته التقليدية، ويطرح حلولاً نمطية، دون أن يدرك أن طبيعة الصراع قد تغيرت، وأن أدوات التحليل القديمة لم تعد كافية لفهم واقع معقد متعدد الفاعلين
الأخطر من ذلك هو حالة التردد التي تطبع مواقف الحزب. فهو، في كثير من الأحيان، يقف في منتصف الطريق: لا هو قادر على تقديم بديل عملي، ولا هو مستعد للاعتراف بتغير موازين القوى. هذا التذبذب جعله يبدو كمن “لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى”، فاقداً القدرة على التأثير، ومتحولاً إلى صوت هامشي في لحظة تحتاج إلى وضوح وحسم.
كما أن خطاب الحزب يحمل في طياته نزعة نخبوبة واضحة، تتجلى في تجاهله لواقع اجتماعي وسياسي متغير، وفي تعامله مع قوى فاعلة على الأرض وكأنها مجرد تفصيل عابر يمكن شطبه بقرار سياسي. هذا الانفصال عن الواقع لا يعكس فقط أزمة تحليل، بل يكشف أيضاً عن فجوة عميقة بين الحزب وقواعد المجتمع التي يفترض أنه يمثلها.
وفي مفارقة لافتة، نجد أن مواقف الحزب – في بعض الأحيان – تتقاطع مع أطروحات قوى ظل يعلن عداءه لها، ما يثير تساؤلات جدية حول اتساق خطابه واستقلالية رؤيته. فبدلاً من أن يكون فاعلاً مستقلاً يقدم طرحاً متمايزاً، أصبح أقرب إلى لاعب مرتبك يعيد إنتاج مواقف الآخرين دون وعي أو قصد.
إن الأزمة التي يعيشها الحزب الشيوعي اليوم ليست أزمة موقف عابر، بل أزمة بنيوية تتعلق بقدرته على التجدد، وعلى إعادة تعريف دوره في سياق جديد. فالعالم يتغير، والسودان يتغير، لكن الحزب ما يزال أسير أدواته القديمة، وخطابه الجامد، ورؤيته التي لم تعد قادرة على إقناع حتى أقرب المتعاطفين معه.
في النهاية، لا يمكن لأي قوة سياسية أن تظل فاعلة إذا لم تراجع نفسها بجرأة، وتعترف بحدود أدواتها، وتسعى لتجديد خطابها بما يتناسب مع الواقع. أما الاستمرار في اجترار الماضي، فلن يؤدي إلا إلى مزيد من العزلة، وربما إلى خروج نهائي من سياق التاريخ.




