رأي

السودان في ظل تحولات الإقليم الكبرى

سمية النور دهب ،، دبلن

 

سمية النور دهب ،، دبلن

لم تعد الحروب الكبرى أحداثاً معزولة داخل حدودها الجغرافية، بل أصبحت قادرة على إعادة ترتيب خرائط الأزمات من حولها، وتغيير حسابات الدول، وتحويل مسارات النزاعات المحلية إلى ملفات مرتبطة بتوازنات إقليمية ودولية أوسع. وفي ظل التصعيد المتكرر في الشرق الأوسط، يبدو السودان واحداً من أكثر البلدان عرضة لتداعيات هذه التحولات، بحكم موقعه الجغرافي وحساسية أزمته الداخلية وارتباطها بمصالح إقليمية متشابكة.

فعندما تنشغل القوى الدولية بصراعات كبرى ذات أبعاد أمنية وعسكرية واسعة، تتراجع الأزمات الأخرى في سلم الأولويات، مهما بلغت خطورتها الإنسانية والسياسية. وهذا ما ينعكس على الملف السوداني، الذي كان في مراحل سابقة محل تحركات دبلوماسية نشطة، قبل أن يتأثر بتشتت الاهتمام الدولي وتزاحم الأجندات الإقليمية.

ولا يعني تراجع الزخم الدولي توقف الاهتمام بالسودان تماماً، لكنه يعني بطء المبادرات، وضعف الضغط السياسي، وتراجع قدرة الوسطاء على دفع الأطراف نحو التهدئة أو التفاوض. فالوساطة لا تنجح بمجرد إعلانها، بل تحتاج إلى إرادة سياسية مستمرة، ودعم دولي واضح، ومتابعة دقيقة تمنع الأطراف من تحويل الوقت إلى أداة لإطالة الحرب.

كما أن تأثير الحروب الكبرى لا يقف عند الدبلوماسية، بل يمتد إلى موازين القوى الإقليمية. فالدول المنخرطة في أكثر من ساحة نزاع تعيد عادة ترتيب أولوياتها، وتوزيع مواردها السياسية والعسكرية وفقاً لحسابات الصراع الأكبر. وفي مثل هذه الأجواء، قد تتحول الساحة السودانية إلى ملف قابل للتأجيل أو المساومة أو الاستخدام ضمن ترتيبات أوسع.

وتكمن خطورة ذلك في أن السودان لا يقع على هامش الجغرافيا السياسية، بل في قلب منطقة شديدة الحساسية، خاصة مع اتصاله بالبحر الأحمر، أحد أهم الممرات الحيوية للتجارة والطاقة والأمن الدولي. لذلك تنظر القوى الكبرى إلى السودان ليس فقط باعتباره بلداً يعيش حرباً داخلية، بل باعتباره جزءاً من معادلة أمن إقليمي أوسع.

ومن هنا يصبح الخطر الأكبر هو فقدان الأزمة السودانية لطابعها الوطني، وتحولها إلى ساحة مفتوحة لصراع المصالح الخارجية. فعندما تتداخل الأجندات الإقليمية مع الحسابات المحلية، يصبح الحل أكثر تعقيداً، لأن قرار الحرب والسلام لا يعود مرتبطاً فقط بإرادة السودانيين، بل بتوازنات متغيرة خارج حدودهم.

لذلك، فإن الحفاظ على استقلالية المسار السياسي السوداني يمثل ضرورة وطنية لا ترفاً سياسياً. فالتجارب تثبت أن النزاعات التي تُترك رهينة للتدويل المفرط تطول أكثر، وتصبح تسوياتها هشة، بينما تملك الأزمات التي تحافظ على إطار وطني واضح فرصاً أكبر للوصول إلى حلول قابلة للاستمرار.

إن وقف الحرب في السودان لا يمكن أن يكون مجرد هدنة عسكرية مؤقتة، بل يجب أن يكون مدخلاً لمعالجة جذور الأزمة، وبناء توافق سياسي واسع يعيد تعريف الدولة على أساس المواطنة والعدالة وتقاسم السلطة والثروة. أما الحلول التي تقوم على موازين قوة عابرة أو تفاهمات خارجية غير مستقرة، فإنها غالباً ما تنهار عند أول اختبار.

يقف السودان اليوم أمام لحظة شديدة الدقة، تتطلب قراءة واعية للتحولات الإقليمية والدولية، لا الارتهان لها. فكل اضطراب في الإقليم قد ينعكس على فرص السلام أو يمدد عمر الحرب، وكل تأجيل للحل يزيد كلفة المعاناة الإنسانية ويفتح الباب أمام مزيد من التدخلات.

ولهذا، فإن الخيار الأكثر عقلانية هو بناء مسار سوداني جاد، يستفيد من الدعم الخارجي دون أن يصبح تابعاً له، ويضع مصلحة البلاد فوق حسابات المحاور. فالحروب مهما طال أمدها تنتهي إلى تسويات، لكن الحكمة أن يصل السودانيون إلى تسويتهم قبل أن يدفعوا ثمناً لا يحتمله وطن أنهكته الحرب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!