صمت المثقفين تجاه الحرب وأزمة الدولة في السودان: قراءة في الجذور ومسارات الخروج (1)
هيثم عبدالله محمد

هيثم عبد الله محمد
ماجستير العلوم السياسية والدراسات الاستراتيجية
هناك مقولة ظلت راسخة منذ عقود من الزمان في ذهني وأظنها روسية
“سَارَ بِرْمِيلَانِ فِي طَرِيقِهِمَا مِنَ الْمَخْزَنِ الْقَدِيمِ إِلَى الْمَخْزَنِ الْجَدِيدِ، يُدَحْرِجُ كُلًّا مِنْهُمَا فَتًى مَفْتُولُ السَّاعِدَيْنِ وَكَانَ أَحَدُهُمَا مَلْآنَ بِالشَّرَابِ الْمُعَتَّقِ، وَالْآخَرُ فَارِغًا جَافًّا لَا شَيْءَ فِيهِ. فَكَانَ الْأَوَّلُ يَسِيرُ سَيْرًا وَئِيدًا بِلَا ضَوْضَاء، أَمَّا الثَّانِي، فَلِأَنَّهُ كَانَ فَارِغًا خَفِيفًا كَانَ يَقْفِزُ وَيَتَرَجْرَجُ، وَيُحْدِثُ قَعْقَعَةً وَدَوِيًّا كَدَوِيِّ الرَّعْدِ، حَتَّى أَجْفَلَ الَّذِينَ كَانُوا فِي طَرِيقِهِ، وَجَعَلَهُمْ يُخْلُونَهُ لَهُ فَزَعًا وَخَوْفًا، أَوِ اجْتِنَابًا لِسَمَاعِ صَوْتِهِ الْمُزْعِجِ. وَالْآنَ؛ أَلَسْتَ تَرَى مَعِي يَا قَارِئِي الْعَزِيزُ أَنَّ عَظَمَةَ الْبِرْمِيلِ الْمَلْآنِ قَدْ تَجَلَّتْ بِتُؤَدَتِهِ وَرَزَانَتِهِ وَصَمْتِهِ، بَيْنَمَا قَعْقَعَةُ زَمِيلِهِ الْفَارِغِ قَدْ فَضَحَتْ أَمْرَهُ؟! وَأَنَّ ذَلِكَ يُعَزِّزُ الْمَثَلَ الْقَائِلَ: «إِنَّ الْبَرَامِيلَ الْفَارِغَةَ أَكْثَرُ جَلَبَةً مِنَ الْبَرَامِيلِ الْمَلْآنَةِ”.
لذلك كانت اكثر الاصوات ارتفاعاً وعلواً في هذه الحرب هم مؤيدي استمرارها
ليس كل صمتٍ هو حكمةٌ، وليس كل نطقٍ دليلاً على الوعي، ففي لحظات التحديات والمواقف الكبرى، يصبح الصمت أحياناً موقفاً سياسياً ، إن كان بدافع الخوف أو الترقب أو العجز. ولذلك يمكن قراءة ما جرى ويجري في السودان منذ اندلاع حرب 15 أبريل 2023، ليس فقط كصراع عسكري، بل كمرآة عاكسة لأعمق أزمة تتعلق ببنية الدولة السودانية في نشأتها وتخلقاتها المختلفة. ولقد كشفت هذه الحرب أن الدولة في السودان لم تُبنَ على أسس عقد اجتماعي جامع (social contract)، بل على إرث تاريخي معقد تشكل خلال حقب الاستعمار المختلفة، حيث أُعيد إنتاج التفاوتات الاجتماعية والاقتصادية، وتم تمكين نخب محددة من السيطرة على مفاصل السلطة والثروة. هذه النخب، التي ورثت الدولة بعد الاستقلال، لم تعمل على تفكيك هذا الاختلال، بل ساهمت في ترسيخه، مما أدى إلى نشوء مركز مهيمن وأطراف مهمشة تعاني من ضعف التنمية وغياب الخدمات. في هذا السياق، لا يمكن فهم الحرب بوصفها مجرد صراع على السلطة بين مكونات عسكرية، بل يجب النظر إليها كصراع متعدد المستويات. فهي من جهة صراع على النفوذ والموارد، ومن جهة أخرى صراع تُستخدم فيه الهويات القبلية والجهوية كأدوات تعبئة سياسية. ومع استمرار الحرب، تتآكل الفوارق بين السياسي والاجتماعي، ويتحول النزاع تدريجياً إلى حالة من الاستقطاب المجتمعي الحاد، حيث تتغذى الكراهية ويُعاد إنتاج العنف على أسس الهوية المجتمعية.
إن الخطاب الذي يطلق عليه خطاباً وطنياً ، والذي يرافق مثل هذه الصراعات كثيراً ما يكون غطاءً هشاً يخفي تحته انقسامات عميقة، حيث يتم اختزال الوطن في جماعة، أو جهة، أو إثنية بعينها. وهنا تكمن خطورة اللحظة، إذ يتحول مفهوم الوطنية من إطار جامع إلى أداة إقصاء، وهو ما يهدد فكرة الدولة نفسها. أما صمت قطاعات واسعة من السودانيين، فيمكن تفسيره بأكثر من زاوية. فهناك من التزم الصمت خوفاً من اتساع رقعة العنف، وهناك من افتقر إلى أدوات التأثير السياسي، في ظل ضعف الأحزاب وتآكل مؤسسات المجتمع المدني. غير أن هذا الصمت، مهما كانت دوافعه، يخلق فراغاً تملؤه القوى المسلحة، مما يعمق منطق القوة على حساب منطق السياسة. إن جوهر الأزمة في السودان لا يكمن فقط في الحرب الدائرة، بل في ثلاث عقد رئيسية: احتكار السلطة والثروة، غياب هوية وطنية جامعة، وعسكرة المجال السياسي. وهذه العوامل مجتمعة تجعل من أي تسوية مؤقتة عرضة للانهيار ما لم تُعالج جذور المشكلة.
الخروج من هذه الأزمة يتطلب مقاربة استراتيجية متعددة المراحل. تبدأ بوقف فوري لإطلاق النار وضمان حماية المدنيين، عبر آليات رقابة فعالة وفتح ممرات إنسانية. يلي ذلك تفكيك بنية الحرب من خلال تفكيك القطاع الأمني واستبداله ببناء قطاع أمني قومي مبنى على الثقل السكاني للمجتمعات ، بما يشمل دمج القوات المسلحة والدعم السريع وحل المليشيات تدريجياً لتكوين جيش قومي مهني يعكس قوة المجتمعات وثقلها داخل المؤسسة العسكرية القومية إلى جانب إطلاق مسار عدالة انتقالية يوازن بين المحاسبة والاستقرار.
وعلى المدى الأبعد، تبرز الحاجة إلى إعادة تأسيس الدولة عبر عقد اجتماعي جديد، يُترجم في دستور يضمن تقاسم السلطة واللامركزية الحقيقية والتوزيع العادل للثروة. كما أن بناء هوية وطنية جامعة يتطلب إصلاحاً عميقاً في التعليم والإعلام، بما يعزز مفهوم المواطنة المتساوية للمجتمعات والشعوب السودانية ويتجاوز الانقسامات الضيقة. غير أن أي عملية للإصلاح لن تنجح دون تمكين المجتمعات والشعوب السودانية نفسها. فإعادة بناء النقابات والأحزاب ومنظمات المجتمع المدني تمثل شرطاً أساسياً لكسر احتكار النخب للسلطة، وخلق توازن حقيقي داخل الدولة.
مجملاً تكشف حرب السودان أن المشكلة ليست في السلاح وحده، بل في البنية التي أنتجته وأبقت عليه. ولذلك فإن إنهاء الحرب لا يعني بالضرورة تحقيق السلام، ما لم يُصاحب ذلك مشروع وطني يعيد تعريف الدولة على أسس العدالة والمواطنة والشراكة الحقيقية. فإما أن يعاد بناء السودان كدولة لكل مواطنيه، أو يظل أسير دورة متكررة من الصراع والانقسام.
كمبالا 13/أبريل/20٢٦




