
خضر كوة
ليست المأساة الكبرى التي يعيشها شعب النوبة اليوم هي الحرب وحدها، ولا النزوح والتشريد والقتل الذي مزق حياة الآلاف من أبنائه، بل إن المأساة الأكثر إيلامًا تكمن في أن بعض أبنائه اختاروا أن يقفوا في الجهة المقابلة لتطلعات أهلهم، وأن يتحولوا إلى أدوات سياسية وإعلامية تخدم القوى ذاتها التي يحملها كثير من أبناء المنطقة مسؤولية عقود طويلة من الإقصاء والحروب والدمار.
فما جرى في كاودا، رغم ما خلّفه من آثار إنسانية مؤسفة على بعض الأسر والمجتمعات المحلية، يظل حدثًا محدودًا في سياق مأساة أكبر وأعمق يعيشها شعب النوبة منذ سنوات. غير أن اللافت والمثير للدهشة هو ذلك السعي المحموم من بعض الأصوات والكيانات إلى تضخيم هذا الحدث وتحويله إلى معركة سياسية وإعلامية كبرى، في وقت تتراجع فيه قضايا الحرب والضحايا والنازحين والمعتقلين إلى الهامش، وكأنها لم تعد تستحق الاهتمام.
والمفارقة المؤلمة أن بين المدافعين عن سياسات السلطة القائمة اليوم من اكتوى شخصيًا بنيران هذه الحرب؛ فمنهم من فقد منزله، ومنهم من فقد أخًا أو قريبًا أو صديقًا في أمبدة والحاج يوسف ومايو وغيرها من مناطق السودان التي دفعت أثمان الحرب باهظة. ومع ذلك، ما زال هؤلاء يواصلون الدفاع عن السياسات نفسها التي أوصلت البلاد إلى هذا الخراب الشامل، وكأن الدماء التي سالت والبيوت التي دُمّرت لم تكن كافية لإعادة النظر في المواقف والانحيازات.
ويتساءل أبناء النوبة بمرارة: أين كانت هذه الأصوات عندما كانت القرى تُقصف؟ وأين كانت بياناتها عندما امتلأت السجون بالمعتقلين؟ وأين كانت مواقفها حين كانت آلاف الأسر تودع أبناءها إلى المقابر أو مخيمات النزوح واللجوء؟ ولماذا يتحول نزاع محلي محدود وقابل للمعالجة إلى قضية مركزية، بينما يتم تجاهل المأساة الكبرى التي أصابت شعبًا بأكمله؟
إن القضية الحقيقية التي تواجه شعب النوبة اليوم ليست حادثة هنا أو خلافًا هناك، وإنما حجم الخسائر البشرية والاجتماعية والسياسية التي خلّفتها الحرب. فآلاف القتلى والجرحى والمفقودين، ومئات الآلاف من النازحين واللاجئين، ومستقبل أجيال كاملة أصبح رهينة للصراع المستمر. وهذه هي القضايا التي يفترض أن تتصدر أي خطاب سياسي أو أخلاقي مسؤول.
ولا يمكن قراءة هذا المشهد بمعزل عن ظاهرة الكيانات التي ظهرت خلال سنوات الحرب الأخيرة، وهي كيانات يرى قطاع واسع من أبناء النوبة أنها تفتقر إلى السند الجماهيري الحقيقي وإلى التفويض الشعبي الواضح. فوجودها يكاد يقتصر على البيانات والمنصات الإعلامية، بينما يغيب أثرها وسط المجتمعات المحلية التي تدّعي تمثيلها. ولهذا ينظر إليها كثيرون باعتبارها كيانات صُنعت لخدمة أجندات محددة ومصالح ضيقة، أكثر من كونها تعبيرًا عن الإرادة الحقيقية لشعب النوبة.
والأكثر إثارة للتساؤل أن هذه الكيانات كرّست جهدها لمهاجمة المشروع السياسي الذي يلتف حوله قطاع واسع من أبناء النوبة، وانشغلت بمحاربة خصوم السلطة أكثر من انشغالها بمعاناة المواطنين وآلام الضحايا. ولذلك يظل السؤال مشروعًا: من الذي منح هذه الكيانات حق الحديث باسم شعب النوبة؟ ومن الذي فوّضها لتقديم نفسها ممثلًا لقضية دفعت الجماهير من أجلها أثمانًا باهظة من الدماء والتضحيات؟
إن كثيرًا من أبناء النوبة لا يرون في هذا الاصطفاف دفاعًا عن المجتمع أو حرصًا على مصالح المواطنين، بقدر ما يرون فيه تعبيرًا عن مصالح سياسية وشخصية ضيقة. فعندما تصبح المناصب والامتيازات والرواتب هي البوصلة التي تحدد المواقف، يصبح من السهل التضحية بالقضية الوطنية والتغاضي عن معاناة الناس مقابل مكاسب آنية وزائلة.
ولهذا يتساءل كثيرون: هل أصبحت الامتيازات السياسية أغلى من دماء الضحايا؟ وهل تحوّل بعض أبناء النوبة إلى أدوات تُستخدم ضد قضيتهم التاريخية مقابل مصالح شخصية؟ ولماذا يُنظر إلى المشروع السياسي الذي اختاره قطاع واسع من أبناء النوبة بهذا القدر من العداء، رغم أنه يمثل بالنسبة لكثيرين تعبيرًا عن تطلعاتهم في الحرية والعدالة والكرامة؟
إن ما يثير قلق خصوم هذا المشروع، في نظر أنصاره، ليس ما جرى في كاودا ولا غيرها من الأحداث العابرة، بل حقيقة أن أبناء النوبة استطاعوا بناء مشروع سياسي وتنظيمي ظل صامدًا لعقود طويلة رغم الحروب والحصار والتضحيات. كما أن قوة الحركة النضالية في المنطقة لم تستند إلى السلاح وحده، بل إلى قناعة راسخة لدى أعداد كبيرة من أبناء النوبة بعدالة قضيتهم واستعدادهم للدفاع عنها مهما بلغت التضحيات.
ومن هنا يرى كثيرون أن بعض الأصوات المرتبطة بحكومة بورتسودان لا تمثل سوى أقلية محدودة مقارنة بالغالبية الواسعة من أبناء النوبة الذين دفعوا ثمن الحرب من دمائهم وأرزاقهم ومستقبل أبنائهم. كما يرون أن هذه الأقلية تحاول باستمرار تضخيم القضايا التي تخدم أجندتها السياسية، بينما تتجاهل القضايا الجوهرية المرتبطة بحقوق الشعب ومستقبله ومصيره.
إن المأساة الحقيقية للنوبة لا تكمن فقط في الحروب التي فُرضت عليهم، بل في أن بعض أبنائهم اختاروا الوقوف في مواجهة تطلعات أهلهم، وأن يصبحوا جزءًا من معركة تستهدف إضعاف إرادة المجتمع وتشويه قضيته. فالتاريخ يعلمنا أن أخطر ما يواجه الشعوب ليس العدوان الخارجي وحده، وإنما الانقسام الداخلي حين تُقدَّم المصالح الفردية على المصلحة العامة.
ويبقى السؤال الذي لا مفر منه: ما القضية التي تستحق أن تكون أولوية اليوم؟ هل هو نزاع محلي محدود يمكن احتواؤه ومعالجته، أم معاناة شعب كامل ما زال يرزح تحت وطأة الحرب والنزوح والتهميش وفقدان الأمل؟
إن الإجابة على هذا السؤال هي التي سترسم موقع كل فرد وكل كيان في سجل التاريخ، وستكشف من وقف إلى جانب شعبه وقضيته، ومن اختار أن يقف في الجهة الأخرى من المعادلة.




