رأي

الفدرالية الثقافية: نحو آلية علمية لترسيم حدود الأقاليم

بروفيسور ناصر ساتي

 

بروفيسور ناصر ساتي

يمثل هذا المقال إضافة فكرية إلى مقترح الدولة الفدرالية الجديدة الذي طرحه البروفيسور مهدي أمين التوم، وهو مقترح أراه من أكثر المبادرات جرأة وواقعية في مقاربة الأزمة السودانية المزمنة. وتتمثل هذه الإضافة في إدراج البعد الثقافي ضمن أسس بناء الأقاليم الفدرالية الجديدة، بحيث لا تقوم عملية إعادة التقسيم الإداري على الاعتبارات الجغرافية أو الاقتصادية وحدها، وإنما تستند أيضاً إلى مفهوم الإقليم الثقافي القائم على اللغة الأم باعتبارها رابطة تاريخية متطورة، وإلى الهوية الثقافية المشتركة التي تشكلت عبر مسارات طويلة من التفاعل الإنساني والاجتماعي.

كما يقترح المقال الاستفادة من محددات لغوية وثقافية في إعادة ترسيم حدود الأقاليم، وفي مقدمتها اللغة الأم وأسماء المناطق، استناداً إلى علم الطبونيميا (Toponymy)، أي علم تفسير أسماء الأماكن ودلالاتها التاريخية والثقافية. ويسعى هذا الطرح إلى إبراز الفوائد التي يمكن أن تتحقق من إدماج البعد الثقافي في مشروع الفدرالية، والتنبيه إلى المخاطر المحتملة المترتبة على تجاهله.

الفدرالية الجديدة وفرصة الحفاظ على وحدة السودان

في تقديري أن مقترح الدولة الفدرالية الجديدة يمثل إحدى الفرص الأخيرة للحفاظ على وحدة السودان الجغرافية والسياسية. فالأزمات التي عصفت بالبلاد خلال العقود الماضية أثبتت محدودية النماذج التقليدية في إدارة التنوع، وأكدت الحاجة إلى تفكير جديد يتجاوز القوالب الذهنية التي هيمنت على النخبة السودانية منذ الاستقلال.

لقد ظل مجرد الحديث عن الفدرالية، ولسنوات طويلة، كافياً لإثارة الاتهامات بالتفريط في الوحدة الوطنية أو الترويج للنزعات الانفصالية. وأسهم هذا المناخ الفكري في تعطيل النقاش الجاد حول البدائل الممكنة، رغم أن الواقع كان يشير بوضوح إلى تصاعد عوامل التفكك والانقسام. ومن هنا تبرز أهمية المبادرة التي طرحها البروفيسور مهدي أمين التوم، إذ نجحت في كسر القيود الفكرية التي فرضتها النخبة على نفسها، وفتحت الباب أمام نقاش وطني ضروري حول مستقبل الدولة السودانية.

ولا تقتصر أهمية المقترح على إعادة صياغة نظام الحكم، بل تمتد إلى إعادة النظر في البنية الإقليمية للدولة، بما يتيح معالجة جذور الصراعات التي أسهمت في انفصال جنوب السودان، وما تزال تهدد مناطق أخرى مثل جبال النوبة والنيل الأزرق.

البعد الثقافي باعتباره جوهر الأزمة السودانية

إن أحد أهم أوجه القصور في مقاربات إدارة الدولة السودانية يتمثل في تجاهل حقيقة أن جوهر الصراع في السودان هو، إلى حد كبير، صراع ثقافي وهوياتي. ولذلك فإن أي مشروع لإعادة بناء الدولة لا بد أن يضع هذا البعد في صميم معادلاته السياسية والإدارية.

ومن هذا المنطلق، أقترح اعتماد مفهوم الإقليم الثقافي كأحد الأسس الرئيسة في إعادة تقسيم الأقاليم وترسيم حدودها. ويقصد بالإقليم الثقافي ذلك الحيز الجغرافي الذي تتشكل داخله هوية ثقافية مشتركة ترتكز على لغة أم سائدة وروابط تاريخية متراكمة عبر الزمن.

ولعل الإقليم النوبي في شمال السودان يمثل نموذجاً واضحاً لهذا المفهوم، حيث أسهمت اللغة النوبية في تشكيل رابطة ثقافية وتاريخية مميزة. بل إن ما يُعرف اليوم بالإقليم الشمالي يمكن النظر إليه بوصفه فضاءً يضم أكثر من إقليم ثقافي، من بينها الإقليم النوبي والإقليم العربي، لكل منهما خصوصيته الثقافية واللغوية.

ولا يعني ذلك بالضرورة استنساخ التجربة النوبية على بقية الأقاليم، وإنما فتح المجال أمام أبناء كل منطقة لصياغة رؤيتهم الخاصة لكيفية تعريف أقاليمهم الثقافية وتحديد حدودها، وفقاً لواقعهم التاريخي والاجتماعي.

الطبونيميا كمدخل علمي لترسيم الحدود

تُعد أسماء الأماكن من أكثر المصادر أهمية في دراسة التاريخ الثقافي واللغوي للشعوب. ولهذا يمكن الاستفادة من علم الطبونيميا بوصفه أداة علمية للمساعدة في ترسيم حدود الأقاليم الثقافية.

ويشير الباحث وينرايت (1962) إلى أن أسماء المناطق توفر معلومات لغوية وتاريخية لا يمكن العثور عليها بسهولة في السجل الأثري أو الوثائقي، كما أنها تقدم مؤشرات مهمة حول الحدود اللغوية القديمة، وأنماط الاستيطان، وحركات السكان، والعلاقات الاجتماعية والاقتصادية التي سادت في الماضي.

وتكمن أهمية هذا المنهج في أنه يعتمد على شواهد تاريخية ومادية قائمة بالفعل، بدلاً من الاعتماد على تصورات اعتباطية أو اعتبارات سياسية مؤقتة. فأسماء المناطق الأصلية كثيراً ما تكشف عن الامتداد التاريخي للغات والثقافات، وتسهم في فهم التحولات السكانية التي شهدتها الأقاليم عبر الزمن.

غير أن تطبيق هذا المنهج يتطلب دراسات علمية متخصصة يشارك فيها خبراء في اللغات والتاريخ والآثار والجغرافيا. وإذا تعذر تنفيذ مثل هذه الدراسات خلال المرحلة الانتقالية، يمكن الاكتفاء مؤقتاً بالاستناد إلى معيار اللغة الأم باعتباره المؤشر الأكثر وضوحاً لتحديد المجال الثقافي للأقاليم.

اللغة الأم كأساس للإقليم الثقافي

يمثل اعتماد اللغة الأم معياراً في إعادة ترسيم الأقاليم اختباراً حقيقياً لمدى جدية الدولة والنخب السياسية في الاعتراف بالتعدد الثقافي واللغوي الذي ظل يُحتفى به نظرياً في الدساتير والخطابات الرسمية دون أن يجد انعكاساً عملياً على أرض الواقع.

فإذا كانت الدولة تؤمن فعلاً بالتنوع، فإن تجسيد هذا الإيمان يجب أن يظهر في البنية المؤسسية والإدارية للدولة، وفي الاعتراف بالأقاليم الثقافية وخصوصياتها اللغوية. ومن شأن هذا النهج أن يسهم في بناء الثقة بين المركز والأقاليم، وأن يؤسس لعلاقة جديدة تقوم على الاحترام المتبادل والشراكة الحقيقية بدلاً من الهيمنة والإقصاء.

كما أن تبني مفهوم الإقليم الثقافي ينسجم مع حق كل إقليم في الاعتراف بلغته المحلية كلغة رسمية داخل مؤسساته الإدارية والتعليمية والثقافية، إلى جانب اللغة الرسمية المشتركة للدولة، بما يعزز المشاركة المتكافئة ويمنح جميع المكونات الثقافية شعوراً بالانتماء والاعتراف.

خاتمة

إن الفدرالية الثقافية ليست مشروعاً لتفتيت السودان، بل على العكس من ذلك، تمثل محاولة جادة لمعالجة الأسباب العميقة التي أنتجت الانقسامات والصراعات المتكررة. فالدول المستقرة لا تُبنى على إنكار التنوع، وإنما على إدارته بصورة عادلة ومتوازنة.

ومن ثم، فإن إدماج البعد الثقافي في مشروع الدولة الفدرالية الجديدة، واعتماد معايير علمية مثل اللغة الأم والطبونيميا في إعادة ترسيم الأقاليم، يمكن أن يشكل خطوة مهمة نحو بناء دولة سودانية جديدة أكثر استقراراً وعدالةً وقدرةً على استيعاب تنوعها التاريخي والثقافي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!