رأي

أصبح التجويع سلاحًا : الجيش المختطف وحرب الإبادة  ضد المدنيين

أبو عبدالله الراشدي

 

أبو عبد الله الراشدي

حين تتحول البندقية من حماية الحياة إلى مطاردتها، يفقد السلاح أي شرف، وتتحول السلطة إلى جريمة.

ليست الحروب مجرد صدام عسكري بين أطراف متنازعة، بل هي امتحان أخلاقي قاسٍ يكشف جوهر القوى التي تمسك بالسلاح وتدّعي تمثيل الدولة. وفي حرب أبريل، انكشفت حقيقة جيشٍ مختطف من جماعة الهوس الديني، لم يعد معنيًا بالدفاع عن الناس أو حماية الوطن، بل بات أداة عقاب جماعي وسلطة قهر، تمارس العنف كخيار وحيد، وتتعامل مع المدنيين بوصفهم خصومًا يجب إخضاعهم أو تركهم للموت.

هذا الجيش لم يكتفِ برفض كل فرص السلام وعرقلة مساراته، بل تجاوز ذلك إلى سياسة ممنهجة تقوم على إطالة أمد الحرب وتجويع المجتمعات المتضررة منها. ومع كل دعوة لوقف إطلاق النار أو فتح ممرات إنسانية، كان الرد مزيدًا من القصف والتصعيد، في رسالة واضحة مفادها أن الحياة نفسها ليست أولوية، وأن المعاناة يمكن توظيفها كسلاح سياسي.

الأخطر في هذا السلوك أنه لم يقف عند حدود القتال المباشر، بل اتجه مع سبق الإصرار والترصد نحو استهداف القوافل الإنسانية، وتدمير المساعدات، ومنع العون عن المحتاجين. هذه ليست أفعالًا عرضية ناتجة عن “أخطاء حرب”، بل نمط متكرر يعكس قرارًا واعيًا باستخدام الجوع والمرض والخوف أدواتٍ للسيطرة والعقاب. فالمدني الذي ينجو من القذائف يُلاحَق بحرمانه من الغذاء والدواء، وكأن البقاء على قيد الحياة جريمة إضافية يُعاقَب عليها.

إن التضييق على المتضررين من الحرب، عبر قصفهم تارة وحرمانهم من المساعدات الإنسانية تارة أخرى، يكشف بوضوح أن الهدف لم يعد عسكريًا، بل اجتماعيًا ونفسيًا: كسر الإرادة الجماعية، وتفريغ المناطق من سكانها، وتحويل المعاناة الإنسانية إلى واقع دائم. وهذا السلوك، وفق كل القواعد القانونية والأخلاقية، يندرج ضمن جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، لأنه يستهدف المدنيين بصفتهم المدنية، ويستخدم احتياجاتهم الأساسية كوسيلة ضغط.

ما يجري هو انتقال خطير من منطق “الدولة” إلى منطق “العصابة المؤدلجة”، حيث تُختزل الوطنية في شعارات، ويُختطف الجيش ليخدم مشروعًا عقائديًا ضيقًا لا يرى في التنوع الاجتماعي إلا تهديدًا، ولا في السلام إلا خسارة. وحين تُختطف المؤسسة العسكرية على هذا النحو، تصبح الحرب وسيلة للبقاء السياسي، لا دفاعًا عن السيادة ولا حماية للحدود.

إن تجريم هذا السلوك ليس موقفًا سياسيًا فحسب، بل واجب أخلاقي وإنساني. فالصمت عليه يعني التطبيع مع فكرة أن الجوع أداة مشروعة، وأن المساعدات الإنسانية هدف عسكري، وأن المدنيين مجرد أرقام في بيانات الحرب. والتاريخ، في كل تجاربه القاسية، يؤكد أن مثل هذه الجرائم لا تسقط بالتقادم، وأن من يرتكبها، مهما طال الزمن، سيجد نفسه في مواجهة العدالة.

في النهاية، لا يمكن بناء سلام حقيقي في ظل جيش مختطف، ولا يمكن حماية وطن يُحارب شعبه. واستعادة المعنى الحقيقي للدولة تبدأ بتجريم هذه الأفعال، ونزع القداسة عن السلاح حين يُوجَّه إلى صدور الجياع، والانحياز الكامل للإنسان بوصفه القيمة العليا التي لا تعلو عليها راية ولا شعار.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!