رأي

حذيفة أبونوبة.. رجل المرحلة وصانع التوافقات الكبرى

نجم الدين دريسة

 

نجم الدين دريسة 

إذا أنصفتم أصحاب العطاء ازدهرت الأوطان، وإن تجاهلتموهم خسر الجميع.

         في زمن الأزمات الكبرى، لا تُقاس قيمة الرجال بما يقولونه عن أنفسهم، وإنما بما يقوله عنهم الآخرون. وحين تتقاطع الشهادات القادمة من اتجاهات مختلفة، وتلتقي الروايات المتعددة عند نقطة واحدة، فإن ذلك لا يكون مصادفة عابرة، بل مؤشراً على حقيقة تستحق التوقف عندها. ومن بين الشخصيات التي تكررت حولها هذه الشهادات خلال السنوات الأخيرة يبرز اسم الدكتور حذيفة أبونوبة، بوصفه واحداً من أكثر الفاعلين حضوراً في مسار التغيير السوداني خلال مرحلة هي الأشد تعقيداً في تاريخ البلاد الحديث.

لقد استمعت خلال الفترة الماضية إلى إفادات وشهادات من أشخاص مختلفين، بعضهم رافق الرجل عن قرب، وبعضهم عمل معه في محطات متباينة، وآخرون اختلفوا معه في الرأي لكنهم لم يختلفوا حول صفاته الشخصية وقدراته العملية. وكانت القاسم المشترك بين كل تلك الشهادات أن حذيفة أبونوبة ظل حاضراً في الميدان عندما غاب كثيرون، وظل يعمل عندما انشغل آخرون بالحسابات الضيقة، وظل يفكر في المشروع الكبير بينما استهلكت بعض النخب وقتها في صراعات المواقع والمقاعد.

وفي الحقيقة فإن الإنصاف يقتضي القول إن كثيراً من الشخصيات التي تعمل في صمت لا تنال ما تستحقه من التقدير. فالأضواء غالباً ما تذهب إلى من يتصدرون المنصات، بينما يبقى الذين يديرون الملفات الصعبة خلف الكواليس بعيدين عن دائرة الاهتمام. وحذيفة أبونوبة من هذا النوع من الرجال الذين يفضلون العمل على الظهور، والإنجاز على الضجيج، والنتائج على الشعارات.

خلال سنوات الحرب القاسية، حين كانت البلاد تواجه انهياراً غير مسبوق في مؤسساتها وهياكلها الإدارية والسياسية، كان الرجل حاضراً في مواقع المسؤولية المختلفة. لم يكن يبحث عن مكسب شخصي، ولم يكن يتحرك بدافع صناعة صورة إعلامية لنفسه، وإنما كان همه الأول، بحسب كل من عرفوه، أن يستمر مشروع التغيير وأن لا تتوقف عجلة العمل مهما كانت التحديات والعقبات.

وهذه النقطة بالذات هي التي تجعل الحديث عن حذيفة أبونوبة مختلفاً عن الحديث عن كثير من السياسيين. فالرجل لا يُعرّف نفسه من خلال منصب أو لقب، وإنما من خلال فكرة ومشروع. ولذلك ظل يتحرك داخل المساحات التنظيمية والسياسية والاجتماعية المختلفة بروح الباحث عن النجاح الجماعي لا البطولة الفردية. وهذه خصلة نادرة في بيئة سياسية كثيراً ما أرهقتها الذاتوية والانقسامات الشخصية والصراعات الصغيرة.

ومن يتابع مسيرته يلاحظ أن الرجل يمتلك قدرة استثنائية على بناء الجسور. فهو لا ينظر إلى الاختلاف باعتباره معركة يجب كسبها، وإنما باعتباره فرصة لصناعة التوافق. ولهذا نجح في بناء شبكة واسعة من العلاقات تمتد عبر المكونات السياسية والاجتماعية والأهلية والمهنية المختلفة. وهذه العلاقات لم تُبنَ بالمجاملات العابرة، وإنما بسنوات طويلة من العمل الميداني والتواصل الإنساني واحترام الآخرين مهما اختلفت مواقعهم ومواقفهم.

لقد سمعت من أكثر من شخصية أن أبرز ما يميز أبونوبة هو قدرته على الاستماع قبل الحديث، وعلى فهم الناس قبل الحكم عليهم. وهي صفات تبدو بسيطة في ظاهرها لكنها تشكل أساساً لأي قيادة سياسية ناجحة. فالسياسة في جوهرها ليست خطابات عالية النبرة، وإنما فن إدارة البشر وبناء الثقة وإيجاد المساحات المشتركة.

كما أن ما يميز الرجل أيضاً هو امتلاكه مزيجاً مهماً بين التأهيل الأكاديمي والخبرة العملية. فكثيرون يمتلكون المعرفة النظرية، وكثيرون يمتلكون الخبرة الميدانية، لكن القليلين هم الذين يستطيعون الجمع بين الاثنين بصورة متوازنة. وأبونوبة من هذا الصنف الذي يجمع بين الفهم الفكري والقدرة التنفيذية، بين الرؤية والعمل، وبين التخطيط والحركة.

ولعل اختياره لرئاسة لجنة التنظيم في تحالف السودان التأسيسي جاء انعكاساً لهذه الصفات مجتمعة. فالتنظيم ليس عملاً إجرائياً أو وظيفة إدارية، وإنما عملية سياسية معقدة تحتاج إلى شخصية قادرة على إدارة التنوع، وتوسيع المشاركة، وبناء المؤسسات، واستيعاب الخلافات، وتحويل التباينات إلى طاقة إيجابية تدفع المشروع إلى الأمام.

وإذا كان بعض الناس يقيسون نجاح القادة بحجم حضورهم الإعلامي، فإن هناك معياراً أكثر عدالة يتمثل في حجم الأثر الذي يتركونه داخل المؤسسات التي يعملون فيها. ومن هذه الزاوية تحديداً يمكن فهم المكانة التي أصبح يحتلها حذيفة أبونوبة داخل دوائر واسعة من المهتمين بالشأن العام. فالرجل استطاع أن يفرض احترامه ليس بالصوت المرتفع، وإنما بالعمل المتواصل والالتزام والانضباط والقدرة على الإنجاز.

الحوار الذي أجراه معه الصحفي جعفر السبكي إبراهيم قدم نموذجاً واضحاً لهذه الشخصية. فقد ظهر أبونوبة متوازناً في طرحه، واضحاً في رؤيته، بعيداً عن لغة الاستقطاب والانفعال، ومتمسكاً بفكرة أن مشروع التغيير أكبر من الأفراد وأوسع من التنظيمات وأبقى من المناصب. وهي رسالة تحتاجها الساحة السودانية اليوم أكثر من أي وقت مضى.

وفي تقديري، فإن المرحلة المقبلة ستمنح هذا الرجل مساحة أكبر للتأثير والحركة. ليس لأن الظروف وحدها تفرض ذلك، وإنما لأن التجارب أثبتت أن الشخصيات القادرة على الجمع بين الحكمة والمرونة والعمل الجاد هي التي تبقى وتؤثر عندما تتغير الظروف وتتبدل المواقع.

إنصاف الرجال ليس مجاملة، والاعتراف بالعطاء ليس انحيازاً. وحين نتحدث عن شخص ظل يعمل في أحلك الظروف وأصعب المواقف من أجل أن يمضي مشروع التغيير نحو غاياته وأهدافه، فإن أقل ما يمكن أن يقال له هو: أحسنت. فالأمم التي تعرف كيف تكرم أصحاب العطاء هي الأمم التي تعرف كيف تبني مستقبلها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!