
حسن النعمان
6 مايو 2026
ردًا على الدكتور الوليد
ليس من قبيل المصادفة أن يعيد التاريخ إنتاج نماذجه، بل لعل ذلك من أكثر قوانينه صرامةً ومرارة. تتبدل الأمكنة، وتتغير الألوان، وتتباين العقليات، لكن الفكرة تظل كامنة في جوهرها، تعاود الظهور كلما تهيأت لها الشروط. ومن يمعن النظر في مسار هذه الدولة، وفي طبيعة من تولّوا قيادتها خلال العقود الثلاثة الماضية، يدرك أن العطب لم يكن طارئًا، بل كان بنيويًا، يتغذى على اختلال عميق في معايير الاختيار ومعنى القيادة ذاته.
لقد أُعيد تشكيل مركز السلطة على نحوٍ سمح بتسلل نمط من القيادات لم يتكوّن في مختبرات الكفاءة، بل في هوامش الأيديولوجيا ودوائر الولاء الضيقة. وفي مقابل هذا الانزلاق، كانت هناك — في طبقات المجتمع التقليدي — بنية رمزية، رغم هشاشتها، تُخضع الفرد لمنظومة من التوقعات الأخلاقية والاجتماعية. فالأسماء مثل التعايشي، المهدي، مادبو، أبو سن لم تكن مجرد إشارات نسب، بل كانت حمولة معنوية، أشبه بعقد غير مكتوب، يربط الفرد بسلوكه أمام جماعته.
تلك الرمزية، على ما فيها من تناقضات، كانت تُنتج نمطًا من الرجال، خاصة في المجال العسكري، يمتلك قدرًا من الصلابة والانضباط. نعم، لم يكونوا ملائكة ولكن مكانا للأدب والالتزام ، وايضا بعدهم حقبة قللت من الررفعه والترفع بل ربما فيهم من العطب ما لا يُخفى، لكنهم — في ميزان اللحظة — كانوا أقرب إلى “خير السيئين”، لأنهم نشأوا في بيئة تُحمّلهم تبعات أفعالهم، وتضعهم تحت رقابة غير مرئية لكنها نافذة.
ومن هنا، برزت أسماء مثل أبو كدوك، مهدي، بابو نمر،حسن بشير نصر وغيرهم، لا بوصفهم نماذج مثالية، بل باعتبارهم نتاج سياق كان لا يزال يحتفظ بقدر من الاتساق بين السلطة والمسؤولية، بين الموقع والواجب.
غير أن هذا الاتساق لم يصمد طويلًا. فمع صعود تيارات مؤدلجة، أُعيد تعريف الطريق إلى المؤسسة العسكرية. لم يعد المرور عبر بوابات الاستحقاق، بل عبر نوافذ الولاء. وهنا، لم يكن الخلل في الأفراد فحسب، بل في القاعدة التي أعادت إنتاجهم. فحين تُستبدل معايير الكفاءة بمعايير الطاعة، تتحول المؤسسة من جهاز وطني إلى امتدادٍ لفكرة ضيقة، ومن إطار مهني إلى أداة في يد مشروع أيديولوجي.
وهؤلاء — على شاكلة المتطرفين دينيًا — لم يدخلوا فقط بعتاد معرفي هش، بل بحمولة نفسية مرتبكة، تفتقر إلى الحد الأدنى من توازن القائد. غابت عن كثيرٍ منهم تلك الخصيصة التي تميّز العسكري الحق: أن يتقدم الصفوف بثبات، وأن يحمل قراره بصلابة، وأن يكون حضوره مصدر طمأنينة لا ارتباك.
فالقائد، في جوهره، ليس رتبةً تُعلّق، بل اختبارٌ دائم. ليس لقبًا يُمنح، بل عبءٌ يُحمل. وعندما تُفرغ القيادة من مضمونها، وتُختزل في شكلها، يصبح الانهيار مسألة وقت لا أكثر.
وهكذا، لم يكن اهتزاز الجيش حدثًا معزولًا، بل نتيجة منطقية لانهيار منظومة المعايير التي كانت — على علّاتها — تضبط إيقاع القوة داخل الدولة. ومع غياب هذا الضبط، لم تعد المؤسسة العسكرية حصنًا يحمي الدولة، بل مرآة تعكس عمق أزمتها.
إنها ليست قصة أشخاص، بل قصة نمط يتكرر: حين يُستبدل المعنى بالشعار، والكفاءة بالولاء، والمسؤولية بالانتماء، فإن الدولة لا تضعف فقط — بل تبدأ في التفكك من داخلها.
وهنا، لا يعود السؤال: من يحكم؟ بل: بأي معايير يُحكم؟
ولا تكون الإجابة إلا بقدر ما يكون الخراب عميقًا.6. 05.26




