العدالة التعليمية بوابة السودان الجديد 7 يونيو العرس التعليمي لتحالف السودان التأسيسي.
مجدي محمد مصطفى ماكن

مجدي محمد مصطفى ماكن
في مناطق سيطرة «تأسيس»، لا تبدو امتحانات الشهادة الثانوية مجرد استحقاق دراسي مؤجل، بل اختبارًا سياسيًا وأخلاقيًا لمفهوم الدولة ذاته. فبينما يواصل السودان القديم الانهيار القيمي و الأخلاقي و الإداري تحت الحرب، يطرح أبناء السودان الجديد سؤالًا أكبر من الامتحان نفسه: كيف نبني دولة العدالة من قلب الركام، بدل أن نظل أسرى انتظار جيشٍ اختطفته الحركة الإسلامية الإرهابية وحوّلته إلى أداة لإدامة الشلل الوطني؟
هذا السؤال ليس ترفًا خطابيًا، بل خلاصة تجربة مريرة عاشها ملايين السودانيين منذ اندلاع الحرب. فالمؤسسات التي كان يفترض أن تحمي الحق في الحياة، وفي التعليم، والرعاية، والخدمة العامة، إما انهارت أو جرى توظيفها في مشروع سياسي إجرامي يهدف الى إستدامه الظلم. وفي ظل هذا الواقع، تصبح أي خطوة نحو تنظيم امتحانات الشهادة الثانوية “الشهادة السودانية ” في المناطق الخاضعة لـ«تأسيس» فعلًا مقاومًا للانهيار، ورسالة تقول إن المجتمع قادر على إنتاج بدائله السياسية والإدارية حين تفشل الدولة القديمة
إمتحان يتجاوز الورقة والقلم
حين أعلنت اللجنة الفنية العليا أن امتحانات الشهادة الثانوية ستبدأ في 4 يونيو 2026 داخل مناطق «تأسيس»، ثم جرى التأجيل الى بعد غدا 7 يونيو، يكن الإعلان إداريًا بحتًا. كان الإعلان محاولة لإعادة تعريف العلاقة بين الدولة والمواطن، بحيث لا يبقى مستقبل الطالب رهينة جبهة القتال أو مزاج القيادة العسكرية لجيش البازنقر، أو حسابات الحركة الإسلامية الإرهابية التي ما تزال، تستبطن الدولة كغنيمة لا كعقد اجتماعي.
الوزير كوكو محمد جقدول قدّم هذه الخطوة باعتبارها مسارًا للتخفيف من معاناة الطلاب، وحرصت الوزارة على الحديث عن الجاهزية الفنية والإدارية، وتشكيل اللجان، والتسجيل، والتنسيق. لكن المعنى الأوسع أبعد من ذلك: التعليم هنا يتحول إلى ساحة تأسيس سياسي، يعلن فيها السودانيون في السودان الجديد أن حقهم في المستقبل لا ينتظر انتهاء الحرب كي يبدأ.
لماذا لا يجوز الانتظار؟
الانتظار في الحالة السودانية لم يعد حيادًا، بل صار في كثير من الأحيان شكلًا من أشكال الاستسلام للفراغ. فكلما تأخر الناس عن بناء بدائلهم، تمددت قوى الشر التي صنعت الأزمة أو استفادت منها. ولهذا فإن منطق «ننتظر الجيش» لم يعد منطقيًا، لأن هذا الجيش نفسه جرى اختطافه، وإعادة توجيهه، وإدخاله في صراع لا يخدم سوى بقاء البنية القديمة التي ثارت عليها قطاعات واسعة من السودانيين منذ اليوم الأول لانشاءها.
ومن هنا، فإن أبناء السودان الجديد لا يحتاجون إلى إذنٍ من أحد كي يشرعوا في بناء مؤسساتهم. فهم لا يملكون رفاهية التوقف حتى تتغير موازين الحرب؛ بل عليهم أن يثبتوا، بالفعل لا بالشعار، أن الدولة العادلة يمكن أن تبدأ من المدرسة، ومن الامتحان، ومن الإدارة المدنية، ومن احترام الحق في التعلم.
سلاح التجهيل: التعليم كأداة للقمع الممنهج
لم يكن غياب العدالة التعليمية في السودان القديم مجرد إهمال إداري أو قصور في الموارد، بل كان سياسة ممنهجة وأحد أقذر الأسلحة التي استُخدمت بوعي لحرمان “الهامش” من التعليم الجيد. وفي مرحلة مفصلية من تاريخ حكم الحركة الإسلامية الإرهابية، اتخذت هذه الجريمة شكلاً أكثر قسوة عبر سياسة “خصخصة التعليم”. لم تكن تلك الخصخصة خطوة لتطوير الخدمات، بل كانت هندسة إجتماعية خبيثة جعلت التعليم الجيد حكراً حصرياً على الأغنياء “لصوص الموارد” وأقصت بصورة تلقائية أبناء شعب الهامش “المُفقَّر” بسياسات منهجية، وحتى أولئك الذين دفعتهم قسوة الظروف نزحوا الى مدن “المركز” الظالمة، تحولت حياتهم إلى جحيم يومي في لهاثهم المستمر لتوفير تعليم تتضخم أسعاره وتكاليفه عاماً بعد عام.
هذا التاريخ الأسود يجعل من معركتنا اليوم لاسترداد الحق في التعليم معركةً للتحرر من طبقية معرفية صُممت خصيصاً لكسر إرادتنا.
العدالة التعليمية في القلب
التعليم ليس قطاعًا خدميًا ثانويًا، بل هو معيار العدالة الأول في المجتمعات الخارجة من الحرب. فإذا كان الطفل أو الطالب محرومًا من الجلوس للامتحان بسبب انعدام الأمن أو انهيار الإدارة أو التمييز الجغرافي، فهذا يعني أن الأزمة لم تعد أزمة صراع مسلح فحسب، بل أزمة توزيع للفرص وحقوق المواطنة. لذلك فإن العدالة التعليمية يجب أن تكون في صميم مشروع السودان الجديد، لا في هامشه.
ومعنى العدالة التعليمية هنا يتجاوز مجرد فتح القاعات. إنه يعني ضمان الوصول، وتخفيف التكاليف، وحماية المراكز، ووضع ترتيبات تراعي النازحين واللاجئين وأبناء المناطق المحاصرة. كما يعني الاعتراف بأن الطالب في دارفور أو كردفان أو النيل الأزرق، او في المنافي المجاورة ليس أقل استحقاقًا من الطالب في أي مركز آخر، وأن الحرب لا يجوز أن تتحول إلى آلية فرز طبقي وجغرافي تعيد إنتاج الظلم باسم الظروف كما يخطط لها نخب الخرطوم.
لوجستيات الدولة العادلة
التحدي اللوجستي في هذه الامتحانات يكشف أيضًا نوع الدولة التي يريدها الناس. فالدولة العادلة ليست التي تصدر القرارات فقط، بل التي تستطيع تحويل القرار إلى خدمة محسوسة، حتى تحت الضغط. ولهذا فإن تنظيم الامتحانات في مناطق السودان الجديد يتطلب قدرة حقيقية على الحصر والتوزيع والحماية والمتابعة، لا مجرد خطاب تعبوي يكتفي برفع المعنويات.
وهنا تظهر أهمية الإدارة المدنية والتنظيم المحلي والشراكات المجتمعية. فحين تعجز الدولة المركزية القديمة عن أداء وظيفتها، يصبح المجتمع المحلي جزءًا من الحل، لا بوصفه بديلًا دائمًا عن الدولة، بل بوصفه نواةً لها في صيغة جديدة. هذه هي الفكرة الجوهرية للسودان الجديد: أن السلطة تُستمد من القدرة على الخدمة والعدالة، لا من السلاح وحده.
الدولة التي تولد عبر التعليم
كل امتحان يُعقد في زمن الحرب هو إعلان صغير عن دولة محتملة. وإذا نجحت ترتيبات «تأسيس» في تنفيذ الامتحانات بحماية معقولة وإجراءات منضبطة، فإنها لا تنجح فقط في إنقاذ عام دراسي؛ بل تقدم نموذجًا مصغرًا لما يمكن أن تكون عليه الدولة حين تُبنى على معيار الحق. فالمواطنة هنا لا تُقاس بالولاء السياسي، بل بالقدرة على الوصول إلى الخدمة العامة والانتفاع بها دون تمييز.
ولهذا فإن العدالة التعليمية ليست قضية طلاب فقط، بل قضية بناء وطني شامل. فالمجتمعات التي تسمح بانقطاع جيل كامل عن التعليم تُراكم في داخلها مستقبلًا هشًا، قابلًا للابتزاز والتطرف والانقسام. أما المجتمعات التي تقاتل من أجل الامتحان، والمدرسة، والمعلم، فهي تقاتل في الواقع من أجل الدولة نفسها.
نحو أفق سياسي جديد
المعنى الأعمق لهذه اللحظة أن السودان لا يمكن أن ينتظر الخلاص من بنية دولة 56 العسكرية مأزومة، ولا من مشروع الحركة الإسلامية الذي أعاد إنتاج الحرب والانقسام، بل من إرادة مدنية منظمة تؤمن بأن العدالة تبدأ من التفاصيل اليومية. الامتحان هنا يصبح فعلًا تأسيسيًا: من يجلس، ومن يُسجل، ومن يُنقل، ومن يُحفظ حقه، هو نفسه من يُعاد تعريفه كمواطن في الدولة المقبلة.
إن أبناء السودان الجديد، إذا أرادوا بالفعل دولة العدالة، فعليهم أن يمضوا فيها الآن، لا لاحقًا. فكل تأجيل جديد يمنح الفراغ فرصة أخرى كي يتحول إلى سلطة، ويمنح الظلم وقتًا إضافيًا كي يتجذر. ومن هنا، فإن العدالة التعليمية ليست مطلبًا قطاعيًا؛ إنها أحد المداخل الأكثر صدقًا لبناء وطن لا يُدار بالوصاية، بل بالحق.
نداءات التأسيس
إلى الطلاب وذويهم: أنتم الجيل المؤسس
إلى كل طالب يمسك بقلمه وسط هذا الركام، وإلى كل أسرة اقتطعت من قوت يومها لتدعم أبناءها: أنتم لستم مجرد طلاب تواجهون امتحاناً أكاديمياً، أنتم الجيل المؤسس. ورقة إجابتكم اليوم هي أولى لبنات “دستور” السودان الجديد. كل معادلة تحلونها، وكل سطر تكتبونه، هو إعلان رفضٍ صريح لمنهج الدولة القديمة الظالمة، وانتصار لحقكم غير القابل للتصرف في صناعة المستقبل. نجاحكم اليوم هو أصدق انتصار على الحرب.
إلى عموم أبناء السودان الجديد: المجتمع الذي لا يُقهر
إن مراكز الامتحانات التي تُفتح بعد غدا في مناطق السودان الجديد ليست مجرد قاعات دراسية، بل هي حصون للإرادة المدنية. التكاتف لتأمينها، ودعم الطلاب، واستضافة النازحين منهم، هو الاستفتاء الحقيقي على أن مجتمعنا أقوى من آلة الدمار. الدولة العادلة لا تهبط من السماء، بل تُبنى بتضامنكم اليومي في حماية حق أبنائكم في الحياة والارتقاء.
إلى تحالف «تأسيس»: من هنا تبدأ السيادة
إن الانتقال من خندق المقاومة إلى مقعد المسؤولية وإدارة شؤون الناس يبدأ من هنا. نجاحكم في توفير بيئة آمنة وعادلة لهذه الامتحانات هو البرهان العملي على مشروعنا السياسي. السيادة الحقيقية ليست في السيطرة على الأرض فحسب، بل في القدرة على خدمة الإنسان الذي يعيش فوق تلك الأرض. واجبنا جميعا ان نجعل من هذه الامتحانات نموذجاً مصغراً للنزاهة، والعدالة، والكفاءة التي تنتظرها الأجيال.
إلى وزارة التربية والتعليم واللجان الفنية: “الجنود المجهولين” بناة الدولة.
أنتم اليوم جنود الخفاء للوطن الجديد. إن التحديات اللوجستية التي تتجاوزونها، من حصر وتسجيل وتنسيق تحت ظروف استثنائية، تمثل عملاً بطولياً بكل المقاييس. كل ورقة امتحان تصل إلى يد طالب هي وثيقة تثبت أن المؤسسات المدنية قادرة على العمل والإنتاج رغم قسوة الظروف.
التاريخ سيكتب أنكم حافظتم على عقل الأمة و ضميرها في أسوأ لحظاتها.




