
نجم الدين دريسة
الأمم تُهزم بالسلاح مرة، وتُهزم بالجهل إلى الأبد دائماً
في تاريخ الشعوب لحظات نادرة تتجاوز فيها الأحداث معانيها المباشرة لتصبح علامات فارقة في مسيرة الأمم، ولعل من أعظم هذه اللحظات تلك التي ينجح فيها المجتمع في حماية حق أبنائه في التعليم وسط العواصف والاضطرابات والتحديات الكبرى. فحين تفتح المدارس أبوابها في زمن الأزمات، وحين يتجه الطلاب إلى قاعات الامتحانات بينما تضج البيئة المحيطة بالتعقيدات والصعوبات، فإن الأمر لا يعود مجرد نشاط أكاديمي أو إجراء إداري، بل يتحول إلى إعلان حضاري يؤكد أن المستقبل ما زال ممكناً وأن إرادة الحياة أقوى من كل أسباب الانكسار.
لقد أثبتت التجارب الإنسانية عبر التاريخ أن الأمم العظيمة لا تُعرف فقط بما تمتلكه من موارد أو بما تحققه من انتصارات سياسية وعسكرية، وإنما تُعرف قبل ذلك بقدرتها على حماية عقول أبنائها وصيانة حقهم في المعرفة. فالجسور يمكن إعادة بنائها، والطرق يمكن ترميمها، والمباني يمكن تشييدها من جديد، أما السنوات التعليمية المفقودة فإن استعادتها تصبح أكثر صعوبة وتعقيداً، لأنها ترتبط بمصائر أجيال كاملة وبقدرة المجتمع على إنتاج مستقبله.
ومن هنا تكتسب العملية التعليمية في الظروف الاستثنائية قيمة تتجاوز حدود الفصل الدراسي والكتاب المدرسي. إنها تتحول إلى معركة وطنية من أجل الوعي، وإلى دفاع مشروع عن حق الإنسان في امتلاك أدوات النهوض والارتقاء. فكل طالب يواصل طريقه نحو التعليم رغم العقبات، وكل أسرة تتمسك بأمل المستقبل لأبنائها، وكل معلم يواصل أداء رسالته وسط الظروف الصعبة، إنما يشارك في بناء جدار أخلاقي يحمي المجتمع من السقوط في هاوية اليأس والتراجع.
إن التعليم ليس خدمة عامة فحسب، بل هو التعبير الأسمى عن فكرة الدولة الحديثة. فالدولة التي تستطيع أن تحمي حق الطفل في التعلم، وأن توفر للطلاب فرصة مواصلة مسيرتهم العلمية، هي دولة تدرك أن الإنسان هو محور التنمية وغايتها. ولذلك فإن نجاح أي جهد يهدف إلى استمرار التعليم يمثل نجاحاً لفكرة الدولة نفسها، وانتصاراً لمفهوم المسؤولية العامة تجاه الأجيال القادمة.
وليس من المبالغة القول إن الامتحانات في أزمنة الأزمات تتحول إلى استفتاء عملي على قوة المجتمع وقدرته على الصمود. فهي تكشف حجم التضامن بين الناس، ومستوى الوعي بأهمية العلم، ومدى الاستعداد لتحمل المسؤولية الجماعية من أجل حماية المستقبل. وعندما تتكاتف المؤسسات والأسر والمجتمعات المحلية لإنجاح العملية التعليمية، فإنها تقدم نموذجاً راقياً لمعنى الشراكة الوطنية الحقيقية.
كما أن التعليم يظل أحد أهم الجسور التي تربط المجتمعات بأحلامها الكبرى. فكل طبيب ومهندس ومعلم وقائد ومفكر يبدأ رحلته من مقعد دراسي بسيط ومن ورقة امتحان تبدو عادية للوهلة الأولى، لكنها تحمل في داخلها بذور المستقبل. ولذلك فإن حماية هذا المسار ليست مسؤولية تربوية فقط، بل مسؤولية وطنية وأخلاقية واستراتيجية تتعلق بمصير البلاد لعقود قادمة.
لقد علمتنا التجارب أن المجتمعات التي تحافظ على مدارسها تحافظ على روحها، وأن الشعوب التي تتمسك بالمعرفة في أحلك الظروف تمتلك القدرة على النهوض مهما بلغت التحديات. فالعلم ليس ترفاً يؤجل إلى أوقات الرخاء، بل ضرورة تزداد أهمية في أوقات الشدة، لأنه الوسيلة الأنجع لإعادة البناء وترميم ما أفسدته الأزمات.
وفي نهاية المطاف، يبقى المشهد الأكثر إلهاماً هو ذلك المشهد الذي يتجه فيه الطلاب نحو قاعات الامتحانات حاملين أقلامهم وأحلامهم في آنٍ واحد. ففي تلك اللحظة لا يكون الامتحان مجرد اختبار للمعلومات، بل يصبح اختباراً لإرادة مجتمع كامل اختار أن ينحاز للمستقبل. وعندما تنتصر الأقلام على الخوف، وتنتصر المعرفة على الفوضى، وتنتصر أحلام الشباب على قسوة الواقع، فإن الرسالة تصبح واضحة: يمكن للحرب أن تعطل الكثير من الأشياء، لكنها لا تستطيع أن تهزم شعباً قرر أن يجعل من العلم طريقه إلى الغد.
دريسة




