
إبراهيم مطر
وكأنها لم تك يوماً آمنة، بالرغم من المعارك التي كانت تدور في العاصمة، لولا أن اختاروا إدخالها ضمن قائمة أهداف حكومة “البراميل المتفجرة” في بورتسودان. وكأنما لم يسمعوا كلمات قائد قوات الدعم السريع الفريق أول “محمد حمدان دقلو” التي سمعها السودانيون في طول البلاد وعرضها، أن جنبوا “الفاشر” ويلات الحروب. ورضي القائد منهم من المعركة بالحياد اعتقاداً منه في فطرة الإنسان السوية، والتي تقضي بأنه لا يسعى في ضرر أهله سوى معتوه.
لكن حياد “مناو”ي كان يضمر انحيازاً لدواعش بورتسودان، ولأولئك الملتحين القتلة من لدن المطلوب للجنائية “عبد الرحيم محمد حسين”، والذي تم إطلاق سراحه اليوم، في إشارة جديدة تشي عن هوية من يحكم في بورتسودن.
كان مناوي يعرض بضاعته التي لا يملك غيرها، وهي أرواح بعض البؤساء من بني جلدته، ومدافع ثنائية، وسيارات دفع رباعي، تقاتل لمن يدفع أكثر، فبدأ بقائد ثاني قوات الدعم السريع الفريق “عبد الرحيم دقلو” الذي استغرب الفكرة، ورفضها جملة وتفصيلاً، باعتبار أنه ليس ثمة ما يباع ويشترى حين يتعلق الأمر بالمواقف الوطنية. وهنا غضب “مناوي”، وحمل بضاعته على ظهره كصليب المسيح، يعرضها في سوق نخاسة بورتسودان.
ولما كان سوق “الدواعش” ظمآناً في ذلك الحين نتيجة الهزائم الكبيرة والمشهودة والمتتالية، التي مني بها جيشهم أمام أشاوس “الدعم السريع”، فقد تلقف “مناوي” وبضاعته في نهم، فأعلن توقفه عن الحياد، ودخوله في تحالف عسكري مع حكومة وبورتسودان، غير عابئ أنه وبقراره هذا، قد أدخل الفاشر في قلب الصراع.
واليوم يتباكى “مناوي” – كذباً على الفاشر، تؤازره في ذلك الغرف الإعلامية للدواعش، يريدون إدخال الذخائر والمؤن لجنودهم المحاصرين في الفرقة السادسة، بعد أن عجزت حتى الـ”بريقدار أقانجي”، فخر الصناعة العسكرية التركية عن فعل ذلك، وتحطمت في سماء الفاشر بعزم الأبطال.
وما من حاجة لإثبات أن خروج المدنيين من الفاشر ممكن وميسر، فوسائط التواصل الاجتماعي تحمل كل يوم فيديوهات جديدة تحكي – بالصوت والصورة – حال النازحين المغادرين من الفاشر، ونظرة بسيطة لمعدل زيادة النازحين القادمين من الفاشر إلى “طويلة”، تنبئك أن من لم يغادر الفاشر من المدنيين هو فاقد الإرادة، ممن تتخذهم حركة مناوي ودواعش بورتسودان “دروعاً بشرية”، فك الله أسرهم وفرج كربتهم.
انتشر فيديو صادم لقوات “مناوي” في الفاشر وهي تعذب مواطناً قالوا أنه حاول الهروب من الفاشر، بظهر مشوه من كثرة الضرب، تلون ظهره بألوان شتى. كانوا يضربونه بالسوط، وأحدهم يدهس رأسه بقدم قاصدة، وحذاء ثقيل. كان الدم يسيل من أنفه وأذنيه وفمه، وكان “مناوي” يتحدث في إحدى الفضائيات حينها، عن ضرورة إدخال المساعدات! يريد أن يتغذى حتى على حق سجينه هذا في الحياة الآدمية، وفي الأمن والطعام.
لا “مناوي” تاجر الرقيق الذي يبيع بني جلدته بأثمان بخسة في وضح النهار، ولا حلفاؤه من فساق “المؤتمر الوطني” المحلول، مؤهلين أخلاقياً للحديث عن معاناة الناس، كونها من صنع أيديهم، وعن سابق قصد ونية. وعليه فلا يعدو حديثهم هذا أن يكون سوى “زوبعة في فنجان”، خاصة بعد أن قطع تحالف السودان التأسيسي شوطاً بعيداً في التواصل مع منظمات الإغاثة، وصارت إمكانية أن يتحقق العالم مما يحدث على الأرض في تلك المناطق متاحة.
مناوي وحلفاؤه من فقهاء آخر الزمان يعلمون أن قوات الدعم السريع لن تترك الفاشر التي استشهد دونها اللواء “علي يعقوب” لبغاث الطيور ودواعش البراء الوطني، ويعرفون أن تحريرها بات قاب قوسين أو أدنى، لكنهم يحاولون من خلال ولولة كذوبة تتلقفها مراحيض إعلامية، أن يحصلوا على ما عجزوا عن الحصول عليه بقوة السلاح، وهو نهج “كيزاني” بامتياز، لا يضع اعتباراً لشرف ولا ذمة، ولا يقيم وزناً لحقيقة ولا نفاق، على طريقة “البتغلب بيو ألعب بيو”. ومن هنا جاءت فرية الفاشر، تنبئ عن عجز عسكري، وإفلاس قيمي، حين يمنع الدواعش المواطنين من مغادرة مناطق الاشتباك فقط ليحظوا بأمان مؤقت.
ضاق الخناق على فرقة “الفاشر” العسكرية، وبدأ حتى الضباط بالرتب الكبيرة يتسللون من المدينة، كان آخرهم اللواء آدم زراف. أخرجهم الجوع والحصار ونقص المؤن، وخذلهم توقف الطائرات التي تلقي البراميل المتفجرة في القرى والنجوع في طريقها لإمدادهم بالمؤن والذخيرة، وصار كل يوم يمر، يسهم في تحرير الفاشر بسهم، ولذلك صرخ مناوي، ومن يدري،فلعله يتذكر يوم أن كان في يده فعل شيء، وكان له الخيار. وما ظلمناهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون. ألا لعنة الله على إخوان الشياطين.




