
ابو عبد الله الراشدي
العدل يبدأ بحماية حق التلميذ قبل الانشغال بصراعات السياسة
حين أصدرت هيئة محامي دارفور بيانها الرافض لامتحانات الشهادة السودانية في مناطق سيطرة حكومة تأسيس، لم تكن في الواقع تخوض نقاشاً قانونياً حول إجراءات الامتحانات بقدر ما كانت تقدم موقفاً سياسياً مغلفاً بلغة حقوقية. والفرق بين الأمرين كبير. فالمنظمات الحقوقية تُقاس مواقفها بمدى دفاعها عن حقوق الإنسان الأساسية، لا بمدى انسجامها مع مواقف الأطراف السياسية المتصارعة.
لقد انتظر آلاف الطلاب والطالبات في دارفور وكردفان والنيل الأزرق وجبال النوبة أكثر من ثلاث سنوات كاملة وهم محرومون من حقهم الطبيعي في الجلوس لامتحانات الشهادة السودانية. ثلاث سنوات من القلق والانتظار وتعطل المستقبل وضياع الفرص. ثلاث سنوات شاهد خلالها هؤلاء الطلاب أقرانهم يواصلون تعليمهم بينما ظلوا أسرى للحرب والانقسام السياسي والفشل المؤسسي الذي ضرب البلاد.
وفي خضم هذه المأساة الإنسانية، كان المتوقع من هيئة تحمل اسم “محامي دارفور” أن تكون في مقدمة المدافعين عن حق أبناء دارفور في التعليم، لا أن تتحول إلى منصة لمهاجمة أول محاولة أعادت لهؤلاء الطلاب حقهم في الجلوس للامتحانات.
المشكلة الأساسية في بيان الهيئة أنه تجاهل الضحية الحقيقية. فالضحية هنا ليست سلطة سياسية أو جهة إدارية، وإنما الطالب الذي انتظر سنوات طويلة ليحصل على فرصة لاستعادة مستقبله. لكن البيان اختار أن ينظر إلى القضية من زاوية الصراع السياسي فقط، متجاهلاً الإنسان الذي يفترض أن يكون محور أي عمل حقوقي جاد.
والسؤال الذي يفرض نفسه بقوة: أين كانت هيئة محامي دارفور عندما حُرم هؤلاء الطلاب من التعليم طوال السنوات الماضية؟ أين كانت بياناتها الصاخبة عندما أغلقت المدارس وتعطلت العملية التعليمية وفقد آلاف الشباب فرصهم الأكاديمية؟ ولماذا ارتفع صوتها الآن تحديداً عندما جلس الطلاب أخيراً إلى مقاعد الامتحان؟
إن الدفاع عن الحقوق لا يكون انتقائياً. فلا يمكن لمنظمة حقوقية أن تصمت أمام الحرمان ثم تستنفر كامل طاقتها لمهاجمة محاولة معالجة ذلك الحرمان. هذه معادلة تثير أسئلة مشروعة حول أولويات الخطاب الحقوقي الذي تتبناه الهيئة.
الأكثر غرابة أن الهيئة وصفت الامتحانات بأنها “عبث بمستقبل الطلاب”. لكن العبث الحقيقي بمستقبل الطلاب لم يبدأ يوم الامتحان، بل بدأ يوم حُرموا من التعليم. بدأ عندما أصبحت المدارس ضحية للحرب. بدأ عندما فُقد الاستقرار وتوقفت المؤسسات التعليمية عن أداء دورها الطبيعي. أما منح الطالب فرصة للجلوس للامتحان بعد سنوات من الحرمان، فهو على الأقل محاولة لاستعادة جزء مما ضاع، وليس سبباً جديداً للضياع.
كما أن البيان وقع في خطأ منهجي واضح حين اختزل قيمة التعليم في مسألة الاعتراف السياسي. فالحق في التعليم حق أصيل سابق على الاعترافات السياسية وعلى النزاعات بين الحكومات. والواجب الأخلاقي لأي جهة حقوقية هو البحث عن كيفية حماية هذا الحق وتطويره وضمان استمراره، لا التعامل معه كأداة ضمن معارك الاستقطاب السياسي.
إن ما يزعج كثيرين في مثل هذه البيانات ليس مجرد مضمونها، وإنما طبيعة الخطاب الذي تنتجه. فالسودانيون سئموا من البيانات الطويلة التي تملأ الفضاء الإعلامي دون أن تقدم حلولاً عملية لمشكلاتهم. وسئموا من لغة التنديد الدائمة التي لا يرافقها أي جهد ملموس على الأرض. وسئموا من النخب التي تتحدث باسم الضحايا أكثر مما تستمع إليهم.
لقد تحولت البيانات لدى بعض الكيانات إلى غاية في حد ذاتها. بيان يتبعه بيان، وتصريح يتبعه تصريح، بينما تبقى معاناة المواطنين كما هي. أما الطلاب الذين يفترض أن يكونوا محور الاهتمام، فيجدون أنفسهم مرة أخرى مجرد مادة للنقاش السياسي والإعلامي.
إن هيئة محامي دارفور مطالبة اليوم بالإجابة عن سؤال بسيط وواضح: هل تؤمن بحق أبناء دارفور وكردفان والنيل الأزرق وجبال النوبة في التعليم أم لا؟ فإن كانت تؤمن بهذا الحق، فإن أول واجباتها هو دعم كل خطوة تساعد على استعادته وتطويره، مع ممارسة النقد المهني المسؤول عند الحاجة. أما إذا كان معيارها الوحيد هو الجهة التي تنظم الامتحانات، فإنها بذلك تنقل القضية من ميدان الحقوق إلى ميدان الاصطفاف السياسي.
إن التاريخ لا يتذكر عدد البيانات التي صدرت، بل يتذكر من وقف إلى جانب الناس عندما احتاجوا إليه. وسيتذكر السودانيون أن آلاف الطلاب الذين حُرموا من التعليم لأكثر من ثلاث سنوات كانوا يبحثون عن فرصة للعبور إلى المستقبل، بينما انشغل آخرون بالتشكيك في تلك الفرصة بدلاً من الدفاع عنها.
وفي نهاية المطاف، يبقى المبدأ واضحاً: لا يمكن لأي خطاب حقوقي أن يكتسب المصداقية إذا تعارض مع حق الإنسان في التعليم. ولا يمكن لأي منظمة تدّعي الدفاع عن الحقوق أن تقنع الناس بسلامة موقفها وهي تقف في مواجهة حلم آلاف الطلاب الذين لم يطلبوا أكثر من حقهم الطبيعي في أن يتعلموا ويجلسوا لامتحاناتهم مثل بقية أبناء الوطن.




