
نجوي بابو
في تاريخ الدول الحديثة لم تكن الهوية مجرد وثيقة تعريف أو إجراء إداري يهدف إلى تنظيم العلاقة بين الفرد والمؤسسات العامة، بل كانت دائماً تعبيراً عن العقد السياسي الذي يربط المواطن بالدولة. ومن هذا المنطلق فإن الانتقال إلى الهوية الرقمية لا يمثل تطوراً تقنياً فحسب، بل يعكس تحولاً عميقاً في طبيعة السلطة وحدود نفوذها وقدرتها على الوصول إلى تفاصيل حياة الأفراد. ولذلك فإن السؤال المتعلق بأمانة سلطة الأمر الواقع على الهوية الرقمية السودانية لا ينبغي النظر إليه بوصفه سؤالاً فنياً عن كفاءة الأنظمة الإلكترونية أو قوة الحماية السيبرانية، وإنما بوصفه سؤالاً سياسياً وقانونياً وأخلاقياً يتعلق بمن يملك سلطة إدارة الوجود القانوني للمواطنين.
فالهوية الرقمية تمنح الجهة المشرفة عليها قدرة غير مسبوقة على جمع البيانات الشخصية وربطها وتحليلها وتحديثها بصورة مستمرة. وهي بذلك تختلف جذرياً عن نظم السجلات التقليدية التي كانت محدودة التأثير والإمكانات. وفي عالم أصبحت فيه البيانات مصدراً للقوة والنفوذ، فإن السيطرة على منظومة الهوية الرقمية تعني امتلاك إحدى أهم أدوات السلطة في القرن الحادي والعشرين. ولهذا فإن أي جهة تدير هذه المنظومة لا تدير مجرد معلومات إدارية، بل تدير مفاتيح الوصول إلى الحقوق والخدمات والاعتراف القانوني بالمواطن.
وتزداد حساسية هذه القضية عندما تكون الدولة واقعة تحت ظروف استثنائية تتسم بالحرب أو الانقسام السياسي أو النزاع على الشرعية. ففي مثل هذه البيئات لا يصبح الجدل محصوراً في كفاءة الإدارة، بل يمتد إلى مشروعية السلطة نفسها ومدى أهليتها للاحتفاظ ببيانات ملايين المواطنين. فالسلطات التي تستند إلى السيطرة الفعلية على الأرض قد تمتلك القدرة على الإدارة، لكنها لا تكتسب تلقائياً الثقة العامة أو الشرعية الكاملة التي تسمح لها بإعادة صياغة العلاقة بين المواطن والدولة دون رقابة أو مساءلة.
ومن الناحية القانونية، لا تعد البيانات الشخصية ملكاً للحكومة أو لأي سلطة حاكمة، بل هي حق أصيل للمواطن تحتفظ به الدولة على سبيل الأمانة. وهذا المفهوم يشكل أحد أهم المبادئ التي قامت عليها التشريعات الحديثة المتعلقة بحماية الخصوصية. فالدولة لا تملك المواطنين ولا تملك بياناتهم، وإنما تلتزم بحمايتها وضمان عدم استخدامها خارج الأغراض التي يحددها القانون. وعندما تغيب الضمانات المؤسسية أو تضعف آليات الرقابة المستقلة، يصبح الخوف مشروعاً من تحول هذه الأمانة إلى وسيلة نفوذ سياسي أو أمني تتجاوز الحدود المشروعة للسلطة العامة.
إن جوهر المشكلة لا يكمن في التكنولوجيا نفسها، فالتكنولوجيا بطبيعتها محايدة، وإنما في طبيعة الجهة التي تتحكم فيها. فالأنظمة الرقمية يمكن أن تكون أدوات لتحسين الخدمات العامة وتعزيز الكفاءة الإدارية وتسهيل حياة المواطنين، لكنها يمكن أن تتحول أيضاً إلى أدوات للمراقبة الواسعة إذا لم تخضع لقيود دستورية وقانونية صارمة. والتاريخ السياسي يعلمنا أن السلطة حين تمتلك القدرة على الوصول إلى المعلومات دون رقابة فعالة فإنها تميل تدريجياً إلى توسيع نطاق نفوذها على حساب الحقوق الفردية.
ولذلك فإن الثقة في أي مشروع للهوية الرقمية لا تُبنى على التصريحات الرسمية ولا على الوعود السياسية، بل على وجود مؤسسات مستقلة قادرة على محاسبة القائمين على هذه المنظومة وكشف أي تجاوزات محتملة. فالمواطن لا يحتاج إلى ضمانات أخلاقية مجردة بقدر ما يحتاج إلى ضمانات قانونية قابلة للتنفيذ. ولا يكفي أن تؤكد السلطة أنها لن تسيء استخدام البيانات، بل يجب أن توجد آليات تمنعها من ذلك حتى لو أرادت.
وفي الحالة السودانية، حيث تعاني الدولة من أزمة مركبة تتداخل فيها تحديات الحرب والشرعية والانقسام المؤسسي، يصبح التعامل مع ملف الهوية الرقمية أكثر تعقيداً من أي وقت مضى. فكل مشروع وطني يتعلق ببيانات المواطنين يجب أن يخضع لأعلى درجات الشفافية والتدقيق والرقابة العامة، لأن هذه البيانات لا تخص السلطة الحاكمة أياً كان شكلها أو موقعها، بل تخص الشعب السوداني نفسه.
إن القضية في نهاية المطاف ليست قضية تقنية ولا إدارية، وإنما قضية سلطة وحدود سلطة. فكلما اتسعت قدرة الجهة الحاكمة على معرفة المواطنين، ازدادت الحاجة إلى ضمان قدرة المواطنين على معرفة ما تفعله تلك الجهة ببياناتهم. وهذه هي المعادلة التي تميز الدولة القانونية عن سلطة الأمر الواقع، وتميز الحكم القائم على الحقوق عن الحكم القائم على السيطرة. ومن هنا فإن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت السلطة الحالية قادرة على إدارة الهوية الرقمية، بل ما إذا كانت تخضع من الناحية السياسية والقانونية والأخلاقية للضوابط التي تجعلها جديرة بالثقة في إدارة أحد أكثر الملفات حساسية في حياة المواطنين.




