رأي

شمال دارفور.. استثناء من العدالة أم خارج دائرة اهتمام حكومة السلام؟

عبدالله جمعة النور يكتب

 

عبد جمعة النور يكتب

رئيس اتحاد المهنيين والنقابات بتحالف تأسيس يكتب

إن ما أكتبه اليوم ليس بحثاً عن منصب، ولا سعياً وراء مكسب سياسي أو إداري، وإنما هو صرخة مسؤولية ونداء واجب تجاه ولاية عظيمة دفعت من الدماء والتضحيات ما يجعلها في مقدمة الأولويات الوطنية، لا في مؤخرة قوائم الاهتمام.

أتحدث عن ولاية شمال دارفور؛ الولاية ذات الثقل السياسي والإداري والتاريخي المعروف، وعاصمة إقليم دارفور، وصاحبة الموقع الاستراتيجي والتنوع الاجتماعي الفريد الذي يجعلها نموذجاً مصغراً للسودان بكل مكوناته وتنوعه الثقافي والاجتماعي.

هذه الولاية لم تكن بعيدة عن ميادين التضحيات، بل كانت في قلب المواجهة. فقد تعرضت محلياتها الثماني عشرة للقصف الجوي المتواصل الذي استهدف المدن والقرى والفرقان والأسواق والمرافق الخدمية ومصادر المياه والمزارع والمراعي والثروة الحيوانية والبنية التحتية. ودفع مواطنوها ثمناً باهظاً من أرواحهم وأرزاقهم واستقرارهم، وظلوا رغم ذلك صامدين ومتمسكين بمشروع السلام والتغيير.

ولم تكتفِ شمال دارفور بالتضحيات العسكرية والإنسانية، بل كانت من أوائل الولايات التي شرعت في بناء الهياكل المدنية والتنظيمية، وأسست إداراتها المدنية في المحليات المختلفة حتى قبل اكتمال التحرير، وأسهم أبناؤها في ترسيخ مشروع تأسيس على الأرض واقعاً ومؤسسات.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم بقوة هو: ماذا جنت شمال دارفور مقابل كل هذه التضحيات؟

للأسف، ما تزال الولاية تعاني فراغاً تنفيذياً وإدارياً لا يليق بحجمها ولا بمكانتها ولا بدورها الوطني. فبينما اكتملت هياكل الحكم والإدارة في ولايات أخرى، ما زالت شمال دارفور تنتظر قرارات كان ينبغي أن تصدر منذ أشهر طويلة.

لقد ترتب على هذا الفراغ تداخل مقلق في الاختصاصات بين الأجهزة المدنية والعسكرية، وظهرت مظاهر ضعف في إدارة الشأن العام، وتزايدت الشكاوى المتعلقة بالجبايات والتحصيل غير المنظم وتعطل بعض الإجراءات الإدارية والمالية، وهي أوضاع لا يمكن تجاهلها أو التعايش معها باعتبارها أمراً طبيعياً.

والأخطر من ذلك كله أن ولاية شمال دارفور تبدو غائبة حتى عن التمثيل في مجلس الأقاليم، وهو المجلس الذي يفترض أن يجسد مبدأ المشاركة العادلة وتمثيل جميع الولايات دون استثناء.

وهنا يحق لكل مواطن في شمال دارفور أن يتساءل: كيف غابت الولاية عن مجلس يفترض أن يكون صوتها ومنبراً لقضاياها؟ وكيف سقطت ولاية بحجم شمال دارفور من معادلة التمثيل السياسي والإداري؟ ومن المسؤول عن هذا الخلل الجسيم؟

إننا لا نتحدث عن ولاية هامشية أو محدودة التأثير حتى يتم تجاوزها بهذه السهولة، بل نتحدث عن ولاية تشكل ثقلاً سياسياً واجتماعياً وإدارياً كبيراً داخل إقليم دارفور والسودان عموماً. ولذلك فإن غيابها عن مجلس الأقاليم لا يمثل مجرد خطأ إجرائياً أو سهوة إدارية عابرة، بل يمثل خللاً سياسياً وإدارياً يستوجب الوقوف عنده بجدية ومسؤولية.

والأمر في تقديري لا يحتاج إلى مراجعة فحسب، بل يحتاج إلى مساءلة ومحاسبة واضحة للجهات التي أدارت هذا الملف بهذه الصورة الانتقائية المخلّة والمخجلة. فالحقوق الدستورية والسياسية لا تُدار بالمزاج ولا تُوزع وفق الاجتهادات الشخصية، وإنما وفق معايير العدالة والاستحقاق والمشاركة المتوازنة.

كما أن استمرار الفراغ التنفيذي بالولاية لا يجد أي مبرر موضوعي، في وقت تزخر فيه شمال دارفور بكفاءات وطنية وإدارية مشهود لها بالخبرة والنزاهة والقدرة على إدارة المؤسسات العامة بكفاءة عالية. فهناك رجال دولة وضباط إداريون يمتلكون خبرات تراكمية تمتد لعقود طويلة، ويمكنهم الإسهام فوراً في إعادة الانضباط الإداري وترتيب مؤسسات الحكم بالولاية.

إن مناشدتي اليوم لرئيس المجلس الرئاسي الفريق أول محمد حمدان دقلو، ولرئيس مجلس الوزراء، ولمجلس الأقاليم، وللهيئة القيادية٣ لتحالف تأسيس، هي التدخل العاجل والحاسم لإنهاء هذا الوضع غير المقبول، واستكمال مؤسسات الحكم والإدارة في ولاية شمال دارفور، وتعيين أمين عام لحكومة الولاية، ومعالجة ملف التمثيل في مجلس الأقاليم بصورة عاجلة وعادلة.

إن شمال دارفور لا تطلب امتيازاً خاصاً، ولا تبحث عن معاملة استثنائية، وإنما تطالب بحقها المشروع في الإدارة والتمثيل والمشاركة أسوة ببقية الولايات.

فولاية قدمت الشهداء، وتحملت أعباء الحرب، وصمدت في وجه التحديات، لا يجوز أن تظل أسيرة فراغ إداري أو غياب سياسي غير مبرر.

لقد آن الأوان لإنصاف شمال دارفور.

فالتاريخ لن يرحم، والمواطن لن ينسى، والعدالة لا تكتمل إلا حين تصل إلى الجميع دون تمييز أو استثناء.

عبدالله جمعة النور

رئيس اتحاد المهنيين والنقابات بتحالف تأسيس

نيالا – العاصمة الإدارية

9 يونيو 2026م

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. دولة ٥٦ التي قلتم أن محاربتها هي القضية ليست في دارفور ،بل هي هناك في الخرطوم والشمال والوسط . فلماذا دمرتم دارفور وكردفان وها أنتم تفصلون دارفور وترسخون لحكم دولة ٥٦ .
    انكشف ما قمتم أصلا لأجله وهو تفتيت السودان ، وصرتم عملاء لليهود والنصارى الذين يخططون لتقسيم بلاد المسلمين بأيدي عملاء من بينهم مثلكم انتم في السودان وحفتر في ليبيا والشيعة في العراق..الخ
    ولكن تمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين .
    شمال دارفور وعاصمتها الفاشر شنب الأسد سوف لن ترضخ لكم ولا لكل عنصري ينعت غيره بالفلنقايات والامباي.
    باطن الأرض خير لناس شمال دارفور من أن يكونوا تحت حكم قتلة مأجورين وشفشافة من خارج الحدود.
    الله أكبر من كل مارق وفاسد وقاتل وناهب ومغتصب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!