رأي

حين هزم جرسُ المدرسة ضجيجَ البنادق والكراهية

نجم الدين دريسة

 

نجم الدين دريسة 

الأمم تُبنى حين ينتصر الأمل على الخوف، لا حين ينتصر الضجيج

لم يكن أكثر المتفائلين يتوقع أن يتحول حدثٌ تعليمي في ظاهره إلى اختبارٍ أخلاقي وسياسي يكشف ما تراكم في النفوس من مواقف كامنة وما استقر في الوجدان العام من تصورات متباينة تجاه قضايا العدالة والحقوق والمواطنة. فحين جلس آلاف الطلاب والطالبات في دارفور وكردفان لأداء امتحانات الشهادة الثانوية بعد انقطاع استمر ثلاث سنوات كاملة، بدا المشهد وكأنه انتصار بسيط للعلم على ظروف الحرب، لكنه سرعان ما تحول إلى مرآة عاكسة لأزمة أعمق تتجاوز التعليم نفسه.

لقد كان المتوقع أن يحظى هذا الحدث بإجماع وطني واسع، لأن القضية لا تتعلق بحزب أو حركة أو حكومة، بل بمستقبل جيل كامل ظل يدفع ثمن حرب لم يخترها. كان المتوقع أن تتقدم التهاني قبل المواقف السياسية، وأن يتصدر الحديث عن حق التعليم قبل أي جدل آخر. غير أن ما حدث كشف عن واقع مختلف؛ إذ ارتفعت أصوات التشكيك قبل أصوات التهنئة، وظهرت حملات التقليل من شأن الحدث قبل الاحتفاء بعودة الطلاب إلى قاعات الامتحانات.

وهنا يبرز السؤال الجوهري: كيف يمكن لحقٍ أساسي من حقوق الإنسان أن يتحول إلى مادة للخلاف السياسي؟ وكيف يصبح جلوس الطلاب للامتحانات موضع نزاع بينما كان حرمانهم منها لثلاث سنوات يمر بصمتٍ أو اهتمام محدود؟

إن ما حدث لا يمكن تفسيره فقط بالخلافات السياسية القائمة في السودان، بل يكشف عن أزمة أعمق تتعلق بطريقة النظر إلى قضايا الأقاليم المهمشة وإلى حقوق مواطنيها. فحين يتعلق الأمر بمعاناة دارفور أو كردفان، كثيراً ما تُقرأ الأحداث من زاوية السياسة لا من زاوية الإنسان، ومن منظور الاصطفاف لا من منظور الحقوق.

لقد أثبتت تجربة السنوات الماضية أن الحرب لم تصنع الانقسامات وحدها، وإنما كشفت انقسامات كانت موجودة أصلاً تحت السطح. وعندما عاد الطلاب إلى مقاعد الامتحانات، لم يكن الحدث مجرد إجراء إداري أو أكاديمي، بل إعلاناً بأن الحياة قادرة على الاستمرار رغم الخراب، وأن المجتمعات تستطيع الدفاع عن حقها في المستقبل حتى في أحلك الظروف.

ومن المفارقات اللافتة أن بعض الجهات التي ظلت ترفع شعارات الديمقراطية وحقوق الإنسان والحريات العامة لم تُبدِ الحماس نفسه تجاه هذا الإنجاز. فبدلاً من التركيز على قيمة استعادة العملية التعليمية، انشغلت بعض الأصوات بالتشكيك في الخطوة أو التقليل من أهميتها. وكان الأجدر بأي مقاربة حقوقية أن تبدأ من دعم حق الطلاب في التعليم، ثم تناقش التفاصيل الفنية أو السياسية بعد ذلك.

وفي المقابل، لا يمكن إنكار أن ثمة أصواتاً وطنية نزيهة انحازت إلى جوهر القضية، ورأت في عودة الامتحانات بارقة أمل تستحق الاحتفاء. هؤلاء لم ينظروا إلى الحدث من زاوية الانتماءات السياسية، وإنما من زاوية إنسانية خالصة. فرأوا دموع الفرح في عيون الطلاب، وشاهدوا الأمل يعود إلى أسر كانت تخشى ضياع مستقبل أبنائها، وأدركوا أن التعليم ليس مجرد شهادة، بل هو حق في الحياة وفرصة للنجاة من دوائر الفقر والتهميش واليأس.

وفي تقديري، فإن ما تحقق يمثل خطوة مهمة في مسار استعادة الخدمات الأساسية للمواطنين. لكنه في الوقت ذاته يضع أمام حكومة السلام وتحالف السودان التأسيسي مسؤوليات أكبر خلال المرحلة المقبلة. فنجاح تنظيم الامتحانات ينبغي أن يتبعه عمل جاد لضمان الاعتراف بالمخرجات التعليمية، وتطوير المؤسسات الأكاديمية، وتوسيع فرص التعليم العالي، وتوفير بيئة تعليمية مستقرة ومستدامة.

فالسودان بعد الحرب لن يحتاج فقط إلى إعادة بناء الجسور والطرق والمباني، بل سيحتاج قبل ذلك إلى إعادة بناء الإنسان. ولن يكون ذلك ممكناً إلا عبر مشروع تعليمي حديث يرسخ قيم المواطنة المتساوية والتنوع والتسامح واحترام الحقوق والحريات.

إن الدول لا تنهض بالسلاح وحده، ولا تحفظ وحدتها بالقوة وحدها، وإنما تبني استقرارها الحقيقي عبر المدرسة والجامعة ومراكز المعرفة. ولذلك فإن مشهد الطلاب وهم يجلسون للامتحانات بعد سنوات من الحرمان يحمل دلالة تتجاوز حدود التعليم؛ إنه إعلان بأن المستقبل ما زال ممكناً، وأن الأمل ما زال قادراً على هزيمة اليأس.

ولهذا فإن القيمة الحقيقية لهذا الحدث لا تكمن فقط في عقد الامتحانات، بل في الرسالة التي حملها إلى السودانيين جميعاً: أن حق الأطفال والشباب في التعلم يجب أن يبقى فوق كل خلاف سياسي، وأن الوطن الذي ينجح في حماية قلمه ودفتره أثناء الحرب سيكون أكثر قدرة على حماية وحدته واستقراره عندما تضع الحرب أوزارها.

لقد أثبت جرس المدرسة، في لحظة واحدة، ما عجزت عنه عشرات الخطب والبيانات. فقد كشف حجم الانقسام الكامن في المشهد السياسي، لكنه كشف أيضاً أن هناك ضميراً وطنياً لا يزال حياً، وأن بين هذا الركام الهائل من الخصومات ما زالت هناك نفوس تؤمن بأن فرحة طالب نجح في الوصول إلى قاعة الامتحان أهم من أي مكسب سياسي عابر، وأن بناء المستقبل يبدأ دائماً من مقعد دراسي لا من منصة صراع.

دريسسسة 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!