
د. دقاش حسب الله دقاش
في فجر 7 يونيو 2026، صوت جرس بمدرسة متهالكة في نيالا يخترق صمتاً دام ثلاث سنوات طويلة. لم يكن الصوت إعلان حصة، بل كان إعلان إرادة حياة تتحدى الموت وتكتب على أنقاضها مستقبلاً.
جلس آلاف الطلاب على مقاعد خشبية نال منها الزمن، وأمسكوا بأقلام مرتجفة لكن تملأ أسنتها العزيمة، ليخطوا بأحلامهم على ورق الامتحان. كان المشهد يهز أعماق الوجدان: أطفال انتزعتهم الحرب من الفصول، ثم أعادتهم إليها ليس بالكتب وحدها، بل بعناد أسطوري لا يعرف الانكسار.
وفي اللحظة نفسها، كان قلم الدولة يشطب اسمه من دفتر الوحدة الوطنية. فوقفنا أمام لوحتين متناقضتين: لوحة طالب يتشبث بحقه المقدس في التعلم، ولوحة دولة تتشظى أمام عينيه إلى نسختين متنافرتين.
هذه ليست ورقة عربي ولا مسألة رياضيات. بل هي ورقة امتحان سيادي شامل، وسؤالها المركزي: هل ينجح السودان في الحفاظ على مؤسساته الموحدة، أم تنجح الحرب في تقسيم ذاكرة الأمة قبل أن تقسيم خرائطها؟
نداءات في مهب البندقية
قبل أشهر من هذا المشهد، ارتفعت من بين الركام أصوات لم تكن صاخبة لكنها حكيمة. مبادرات وطنية، وأكاديميون، ومعلمون، وأمهات أثقلهن القلق، اجتمع الكل على فكرة بديهية في إنسانيتها وعبقرية في بساطتها: افتحوا أبواب القاعات لكل طالب أينما كان.
طُرحت خطة إنسانية تقوم على هدنة قصيرة، وإشراف أممي عبر اليونيسيف، وامتحان موحد في التوقيت والمحتوى. لم يكن الهدف مجاملة طرف على حساب طرف، بل كان الهدف إنقاذ 280 ألف طالب في دارفور وكردفان والنيل الأزرق من الضياع الأكاديمي، والحفاظ على الشهادة السودانية الموحدة كآخر رمز سيادي جامع تبقى بأيدينا.
لكن لغة السياسة غلبت لغة الإنسانية. وانشغلت أروقة القرار بسؤال الشرعية: من يملك القاعة؟ ومن يختم الورقة؟ وتأخر القرار شهوراً، ثم وصل متأخراً جداً. فجلس الطلاب للامتحان ونجحوا في اختبارهم الشخصي، لكن السودان كدولة رسب في اختبار الحكمة، ورسب في اختبار السيادة، ورسب في اختبار حماية أبنائه.
الشهادة.. عملة سيادية
قد يتساءل البعض: لماذا تثير قاعة امتحان كل هذه العواصف السياسية؟ لأن الشهادة السودانية ليست مجرد ورقة تمنح درجة النجاح. الشهادة السودانية عملة سيادية، مثل الجنيه السوداني وجواز السفر ونشيد العلم. هي إعلان يومي بأن هذه الدولة واحدة، ومعاييرها واحدة، ومصير أبنائها واحد.
وما جرى في نيالا والمناطق الخاضعة لسلطة “تأسيس” لم يكن امتحاناً محلياً، بل كان ولادة لشهادة موازية. ومع ولادتها، ولدت عملياً “دولة موازية” في أخطر وظائفها: وظيفة منح الاعتراف والشرعية.
فالجهة التي تطبع شهادتها بنفسها، وتضع مناهجها بنفسها، وتوزعها على أبنائها، هي جهة تعلن للعالم بصوت واضح: أنا موجودة، وأنا أقرر، وأنا أمنح الصلاحية.
وهنا انتقل الصراع من ساحات الاشتباك العسكري إلى ساحات المدارس والجامعات، ومن معركة الأرض إلى معركة الاعتراف. ومعركة الاعتراف أخطر وأطول أمداً، لأن تقسيم الجغرافيا قد يُعالج باتفاق سياسي، لكن تقسيم الوعي وتقسيم الذاكرة وتقسيم الأجيال جرح غائر لا يلتئم إلا بعد عقود من العلاج.
ظلم مضاعف باسم الطالب
ولنتوقف لحظة أمام الطالب الجالس في نيالا أو الضعين أو كادقلي أو زالنجي. هذا الطالب لم يحمل بندقية، ولم يوقع بياناً سياسياً، ولم يختر مكان مولده. ذنبه الوحيد أنه ولد في الزمن الخطأ وفي المكان الخطأ.
حرمته الحرب ثلاث سنوات من حقه في التعليم، وشاهد مدرسته تتحول إلى ثكنة عسكرية، ورأى معلمه يهاجر بحثاً عن الأمان. واليوم يُطلب منه أن يختار بين مستقبله الشخصي ووحدة وطنه الكبير.
وذلك قمة الظلم، فالحرب سرقت طفولته، والانقسام السياسي يهدد بسرقة مستقبله. لا ذنب له في فشل الكبار، ولا يجب أن تكون أحلامه ورقة المقايضة الأخيرة بين الفرقاء.
ومن حيث المبدأ الإنساني البحت، فرحة أي طالب يدخل قاعة الامتحان بعد سنوات من الحرمان فرحة مقدسة لا يجوز المساس بها. لكن هذه الفرحة ناقصة ومكسورة ومشروطة، لأنها جاءت في إطار يقسم البلد بدلاً من أن يوحد أبناءه. فالطالب اليوم يكتب اسمه في ورقة قد لا يعترف بها غداً زميله في مدينة أخرى.
درس سبورة نيالا
والدرس الذي تكتبه سبورة نيالا بطباشيرها المتآكل درس مؤلم لكنه ضروري لفهم معنى الدولة في القرن الحادي والعشرين. فالسيادة لم تعد تقاس بعدد الجنود على الحدود أو بمن يرفع العلم فوق القصر الرئاسي.
السيادة الحقيقية تُقاس بقدرة الدولة على أداء وظائفها الجامعة التي تلم شمل الناس. وتُقاس بمن يضمن أن طالباً في الجنينة يجلس في نفس اللحظة لنفس الامتحان، ويجيب على نفس الأسئلة، ويحصل على نفس الشهادة التي يحصل عليها زميله في عطبرة أو بورسودان أو وادي حلفا.
وعندما تفقد الدولة احتكارها للوظائف السيادية الأساسية – إصدار العملة الوطنية، وإصدار الوثائق الرسمية، وإدارة الامتحان القومي الموحد – فهي عملياً تتنازل طوعاً عن جزء أصيل من سيادتها، حتى لو ظل العلم يرف فوق المباني.
وما حدث في نيالا ليس انتصاراً لسلطة “تأسيس” ولا هزيمة للحكومة الاتحادية. بل هو هزيمة للسودان كفكرة وكحلم وكعقد اجتماعي. وهو إعلان عملي بأن خلافاتنا السياسية وصلت أخيراً إلى أقدس ساحاتنا، ووصلت إلى عقول أطفالنا وقسمتها قبل أن تقسم أرضنا.
الخاتمة: جدار العقل أخطر من جدار الخرسانة
ختاماً، علينا أن نواجه الحقيقة المرة دون مواربة: الجدران التي نبنيها اليوم بين المناهج الدراسية وبين الشهادات الجامعية أخطر ألف مرة من أي جدار خرساني أو ترس ترابي يُقام على الأرض.
لأن جدار الخرسانة يمكن هدمه في يوم، لكن جدار العقل الذي يفصل بين جيلين يقرآن تاريخين مختلفين ويحملان شهادتين مختلفتين، هذا الجدار يبقى في النفوس لأجيال.
إنقاذ السودان لن يبدأ بمعركة عسكرية جديدة، بل باتفاق إنساني قديم وبسيط: أن نترك أطفالنا خارج دائرة الصراع، وأن نحمي آخر ما تبقى لنا من مؤسسات جامعة، وعلى رأسها التعليم. لأن التعليم هو آخر خيط يربطنا بفكرة الوطن الواحد.
فإذا انقسمت الشهادة اليوم، فلا تستغربوا غداً أن تنقسم الخارطة. فالأمم العظيمة لا تسقط عندما تخسر معركة عسكرية، بل تسقط عندما تفشل في تربية جيل يؤمن بها ويحلم بها ويدافع عنها.
وسؤالنا الأخير ليس موجهاً لطرف دون آخر، بل موجه لكل سوداني يقرأ هذه السطور: أي مستقبل نريد أن نكتبه بأيدينا لأبنائنا؟ هل نريده مستقبلاً موحداً يُكتب بطباشير واحد على سبورة واحدة، أم نريده مستقبلين منفصلين، وسبورتين، وحلمين، ومصيرين




